إيلاف من لندن: لم يأتِ أكثر التعليقات السياسية دلالةً بعد فوز آندي بورنهام في دائرة مايكرفيلد من داونينغ ستريت، ولا من بورنهام نفسه.
ففي استحضارها للملاحظة الشهيرة التي قال فيها بوريس جونسون إنه أدرك أن رئاسته للحكومة انتهت عندما «بدأ القطيع بالتحرك»، قالت هارمان في بودكاست Electoral Dysfunction على قناة سكاي نيوز إن حزب العمال تجاوز تلك المرحلة.
وأضافت: «القطيع لا يتحرك فحسب، بل يندفع بقوة».
وسواء اتفق المرء أو اختلف مع توقعها بأن بورنهام سيصبح في نهاية المطاف رئيساً للوزراء، فإن ذلك ليس جوهر المسألة.
فالأهمية تكمن في مكان آخر.
فمثل هذه الأحاديث لم تعد مقتصرة على ثرثرات وستمنستر داخل قاعات مجلس العموم، بل باتت تُناقش علناً من قبل بعض أكثر الشخصيات خبرةً داخل حزب العمال.
وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن شيئاً ما قد تغيّر.
لم تكن انتخابات مايكرفيلد الفرعية حدثاً عادياً.
فقد جاء فوز بورنهام حاسماً.
كما شهدت الانتخابات نسبة مشاركة مرتفعة بشكل لافت، تجاوزت توقعات كثيرين، وكانت أقوى بكثير من النمط المعتاد المرتبط بالتصويت الاحتجاجي.
وتم احتواء صعود حزب «ريفورم»، بينما تراجعت الأحزاب الصغيرة على اليسار، في حين بدا المحافظون خارج المشهد تقريباً.
وقد أفرزت النتيجة تفسيرات متباينة.
فهناك من رأى فيها انتصاراً شخصياً لبورنهام، وآخرون اعتبروها نتيجة تصويت تكتيكي من ناخبين عازمين على منع فوز «ريفورم».
كما فسّرها كثير من نواب حزب العمال على أنها رسالة تحذير إلى كير ستارمر.
وربما تكمن الحقيقة في مزيج من هذه العوامل الثلاثة.
لكن اللافت هو مستوى النضج السياسي لدى الناخبين.
فهم لم يصوتوا بدافع الولاء الحزبي التقليدي.
فقد وصل أنصار العمال التقليديون، والناخبون الساعون إلى التصويت التكتيكي ضد «ريفورم»، والوسطيون المحبطون، وقطاعات من اليسار الليبرالي، إلى الخيار نفسه وإن اختلفت دوافعهم.
وقد لا يتفقون بشأن المستقبل، لكنهم اتفقوا على الهدف الآني.
وفي الوقت نفسه، أشارت انتخابات فرعية أخرى في أبردين ساوث إلى اتجاه مختلف لكنه مرتبط بالموضوع ذاته.
فهناك لعبت قضايا النفط والغاز في بحر الشمال، والوظائف، وسياسات «صافي الانبعاثات الصفري» دوراً محورياً.
وأظهرت النتيجة أن كثيراً من الناخبين باتوا يقيمون السياسات المناخية من منظور فرص العمل والأمن الاقتصادي أكثر من المنطلقات الأيديولوجية.
وقد حملت الانتخاباتان الرسالة نفسها ولكن بلهجتين مختلفتين:الناخبون أصبحوا أكثر براغماتية.
فحتى وقت قريب، كان كثير من المراقبين في وستمنستر ينظرون إليه باعتباره مجرد شخصية من الجناح اليساري في حزب العمال.
لكن النقاش المتنامي حول ما يسميه بعض مؤيديه «المانشسترية» يوحي بصورة أكثر تعقيداً.
فالنموذج الذي يطرحه مستشارو بورنهام لا يقوم على الاشتراكية التقليدية، بل يرتكز على النقل والإسكان والبنية التحتية والصلاحيات المحلية والنمو القائم على الاستثمار.
ويؤكد جيم أونيل، أحد مستشاريه، أن نجاح مانشستر لم يتحقق بعيداً عن القطاع الخاص، بل يدعو إلى الاقتراض من أجل الاستثمار وبناء الأصول والبنى التحتية القادرة على توليد النمو مستقبلاً.
وقد يطمئن ذلك بعض نواب حزب العمال.
لكنه يثير أيضاً أسئلة جديدة.
فهل يستطيع سياسي ذو ميول مؤيدة لأوروبا الاحتفاظ بدعم ناخبي «الجدار الأحمر» الذين أيدوا «بريكست»؟ وهل يمكن لبرنامج يقوم على تدخل حكومي نشط أن يتجنب إثارة قلق المستثمرين والأسواق المالية؟ وهل يستطيع حزب العمال إدارة النقاش المتنامي حول بورنهام من دون إثارة استياء النائبات اللواتي يتساءلن لماذا تبدأ وتنتهي كل أحاديث القيادة بأسماء رجال؟ولا تزال هذه الأسئلة بلا إجابات.
كما أنها ليست أسئلة نظرية فحسب.
فكثيراً ما يشير أنصار بورنهام إلى إصلاحات النقل ومبادرات الملكية العامة وزيادة دور الدولة في التنمية الاقتصادية بوصفها دليلاً على ما يمكن تحقيقه خارج وستمنستر.
لكن تطبيق برنامج مماثل على المستوى الوطني سيواجه أسئلة أكثر تعقيداً: كيف سيتم تمويله؟ وهل ستقود زيادة الاستثمار العام في نهاية المطاف إلى رفع الضرائب؟ وهل ستتقبل الأسواق المالية استراتيجية اقتراض أكثر توسعاً حتى لو قُدمت باعتبارها استثماراً لا إنفاقاً؟وماذا سيحدث عندما تتعارض بعض توجهات بورنهام مع مواقف الناخبين الذين ساهموا في تشكيل تحالف مايكرفيلد؟ فميوله المؤيدة لأوروبا قد تنسجم مع كثير من نشطاء حزب العمال، لكنها لا تتوافق بالضرورة مع قطاعات من ناخبي «الجدار الأحمر» الذين أيدوا الخروج من الاتحاد الأوروبي ولا يرغبون في إعادة فتح ذلك الملف.
وكلما اقترب بورنهام من السلطة، ازدادت الحاجة إلى تقديم إجابات واضحة لهذه الأسئلة.
في المقابل، يصر كير ستارمر على أنه باقٍ في موقعه.
ويؤكد أنه سيخوض أي سباق على القيادة إذا فُرض عليه.
فمن الناحيتين الدستورية والسياسية، لا يزال رئيساً للوزراء وزعيماً لحزب العمال.
لكن السياسة كثيراً ما تتشكل بالمزاج العام بقدر ما تتشكل بالسلطة الرسمية.
واللافت خلال الأيام الأخيرة هو التباين الواضح بين الرجلين: ستارمر يتحدث بلغة الدفاع عن موقعه، بينما يتحدث بورنهام بلغة صناعة التاريخ.
أحدهما يدافع عن منصبه، والآخر يرسم ملامح لحظة سياسية جديدة.
وربما يتبين لاحقاً أن استعارة «القطيع» التي استخدمتها هارييت هارمان كانت متسرعة.
فلوستمنستر تاريخ طويل من التنبؤ برحيل سياسيين لم يرحلوا.
لكن ملاحظتها تلتقط حقيقة قائمة.
فالنقاش لم يعد يدور فقط حول ما إذا كان كير ستارمر سيصمد في موقعه، ولا حتى حول ما إذا كان آندي بورنهام سيخلفه.
بل إن السؤال الأعمق يتعلق بما سيصبح عليه حزب العمال في المرحلة المقبلة.
وقد تُذكر مايكرفيلد مستقبلاً ليس باعتبارها اللحظة التي غيّر فيها حزب العمال زعيمه، بل باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها الحزب يناقش مستقبله علناً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك