تمثل الحرب التي شنّتها إيران على دول الخليج خلال الأشهر الماضية واحدةً من أهم المرجعيات التي ينبغي الانطلاق منها عند قراءة المتغيرات الاستراتيجية الجديدة في المنطقة.
فهذه الحرب لم تضف تهديدات جديدة فحسب، بل أعادت تعريف طبيعة المخاطر، وحدود الردع، ومفهوم العمق الآمن، وكشفت أن حماية المكتسبات الاقتصادية والسيادية لم تعد مسألة دفاعية بحتة، بل أصبحت جزءًا من معادلة ردع أشمل وأكثر تعقيدًا.
ومن هنا، لم يعد سؤال الردع الصاروخي في الخليج ترفًا نظريًا أو موضوعًا مؤجلًا إلى ظروف أكثر هدوءًا، بل تحوّل إلى أحد الأسئلة المركزية المرتبطة بمستقبل الأمن الإقليمي.
لقد أظهرت هذه الحرب، كما أظهرت تجارب السنوات الأخيرة، أن التهديد الصاروخي لم يعد احتمالًا نظريًا؛ فمنشآت الطاقة، والبنية الاقتصادية الحيوية، ومراكز النشاط الاستراتيجي لم تعد بمنأى عن الاستهداف المباشر.
وبات واضحًا أن إيران وشبكة الوكلاء المرتبطة بها نجحت في ترسيخ بيئة أمنية جديدة تقوم على استخدام القدرات الصاروخية والمسيّرة بوصفها أدوات ضغط سياسي وعسكري واقتصادي.
وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد السؤال كيف يمكن اعتراض الهجمات فحسب، بل كيف يمكن إقناع من يطلقها بأن الثمن الذي سيدفعه سيكون أعلى من أي مكسب يتوقع تحقيقه.
هذا التحول في التفكير لم يأتِ من فراغ، فالهجمات التي تعرضت لها دول الخليج خلال السنوات الماضية، وما تبعها من تسريع في بناء شبكات دفاعية مشتركة وتوسيع التعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، كشفت أن زمن الاحتماء بالاقتصاد المزدهر والانفتاح التجاري وحده قد انتهى، وأن الردع في بيئة الخليج لا يُبنى بالازدهار فقط، بل أيضًا بقدرة واضحة على المنع والعقاب.
كما أن التحولات التي شهدتها العقيدة الأمنية الأميركية خلال السنوات الأخيرة عكست اتجاهًا متزايدًا نحو تحميل الحلفاء دورًا أكبر في تحمل أعباء أمنهم الوطني، وهو ما يدفع دول الخليج إلى التفكير بصورة أعمق في بناء عناصر قوة ذاتية تعزز قدرتها على الردع والاستجابة للأزمات.
إن بناء ترسانة صاروخية خليجية لا يعني بالضرورة السقوط في منطق المغامرة أو سباق تسلح أعمى، بل يمكن أن يكون جزءًا من عقيدة دفاعية منضبطة ومتكاملة.
فالردع الحديث لا يقوم على الصواريخ وحدها، بل على منظومة تشمل الاستخبارات والدفاع الجوي والقدرات السيبرانية والاستطلاع، غير أن الصواريخ تبقى إحدى الأدوات الرئيسية التي تمنح هذه المنظومة قدرتها العقابية، وتجعل الخصم يعيد حساباته قبل الإقدام على أي مغامرة.
فالدفاع يخفف الضرر، لكنه لا يمنع الخصم من اختبار الحدود مرة بعد أخرى، بينما تنقل القدرة على الرد المعادلة من امتصاص الضربة إلى ردعها قبل وقوعها.
والهدف هنا ليس مضاهاة الترسانات الضخمة الموجودة في المنطقة، بل بناء قدرة كافية تجعل أي خصم يدرك أن نجاحه في توجيه ضربة لا يعني نجاحه في تحقيق أهدافه السياسية أو العسكرية.
ولعل ما يجعل هذه الفكرة أكثر إلحاحًا اليوم أن البيئة الإقليمية أثبتت محدودية الاكتفاء بالدفاع وحده، وأن البنية الدفاعية الخليجية أصبحت أكثر نضجًا وقدرة على استيعاب التكنولوجيا المتقدمة وتطويرها بالشراكة مع الحلفاء.
وفي تقديري، فإن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في حجم التهديدات القائمة، بل في اعتياد بعض الأطراف اختبار حدود الردع الخليجي انطلاقًا من قناعة مفادها أن كلفة التصعيد ما زالت محتملة.
لكن الحجة الأقوى لصالح هذا المسار ليست تقنية، بل استراتيجية.
فالطرف الذي يعتقد أن بإمكانه الضرب ثم الاحتماء بالمسافة أو بالوكلاء لن يغير سلوكه ما لم يقتنع بأن أصوله الحيوية يمكن أن تصبح هي الأخرى تحت تهديد موثوق.
والردع لا يقوم على التصريحات، بل على بناء قناعة لدى الطرف المقابل بأن كلفة العدوان ستكون أعلى من أي مكاسب محتملة.
كما أن الردع الحقيقي لا يقتصر على منع الضربة الأولى، بل يشمل القدرة على الصمود بعدها أيضًا.
فالدول التي تمتلك منظومة ردع فعالة لا تبني وسائل العقاب فحسب، بل تبني كذلك القدرة على مواصلة العمل واتخاذ القرار والرد حتى في ظل التعرض لهجوم.
فالخصم لا يرتدع عندما يعلم أنك تستطيع الرد فقط، بل عندما يعلم أنك ستظل قادرًا على الرد بعد الضربة الأولى أيضًا.
ولا يعني ذلك القفز مباشرة إلى برنامج صاروخي واسع ومفتوح، بل السير في مسار متدرج يجمع بين الاقتناء والشراكات الصناعية ونقل المعرفة وبناء قاعدة وطنية داعمة للأمن والدفاع.
فالقضية ليست امتلاك السلاح فحسب، بل امتلاك القدرة على استدامته وتطويره وعدم الارتهان الكامل للقرار الخارجي في اللحظات الحرجة.
إضافة إلى ذلك، ينبغي النظر إلى أي ترسانة صاروخية خليجية ضمن مشروع أوسع لحماية الاقتصاد الوطني.
فالموانئ والممرات البحرية وخطوط الطاقة وسلاسل الإمداد أصبحت جميعها جزءًا من معادلة الأمن القومي.
وما قيمة المشاريع الاقتصادية العملاقة إذا كانت عرضة للتعطيل أو الابتزاز في أوقات الأزمات؟ فالازدهار الاقتصادي لا يمكن أن يستمر طويلًا إذا ظل أمنه معتمدًا على معادلات ردع غير مكتملة.
لذلك فإن الصواريخ، في هذا الفهم، ليست مجرد أدوات عسكرية، بل جزء من منظومة أوسع لحماية السيادة الاقتصادية وضمان استمرارية النمو.
كما أن الحديث عن سباق تسلح جديد يتجاهل حقيقة أن اختلال التوازن قائم بالفعل منذ سنوات، وأن المطلوب ليس إطلاق سباق جديد بقدر ما هو تصحيح اختلال قائم وتحويل الخليج من موضوع للردع إلى طرف فاعل فيه.
كذلك لا ينبغي الخلط بين الردع والفوضى، فبناء قدرة صاروخية ضمن ضوابط تشغيل وسيطرة صارمة يجعلها أداة استقرار لا أداة تهور، لأنها ترفع كلفة العدوان وتدفع جميع الأطراف إلى التفكير في العواقب قبل اللجوء إلى القوة.
المسألة في جوهرها ليست عشقًا للصواريخ، بل فهم لطبيعة الإقليم.
فمن يقرأ التجارب السابقة مع إيران ووكلائها يدرك أن حسن النيات لا يحمي المنشآت الحيوية، وأن الإدانة الدبلوماسية لا توقف الهجمات، وأن التعويل المطلق على الحليف الخارجي لا يكفي دائمًا في اللحظات الأولى من أي أزمة.
لذلك فإن بناء ترسانة صاروخية خليجية تقليدية ومتكاملة مع منظومة دفاعية واستخبارية وصناعية أوسع لا يمثل انزلاقًا نحو العسكرة، بقدر ما يمثل تصحيحًا متأخرًا لثغرة استراتيجية دفعت المنطقة ثمنها أكثر من مرة.
لقد أثبتت الحرب الأخيرة، قبل أي شيء آخر، أن معادلات الأمن التي سادت المنطقة لعقود لم تعد كافية وحدها لضمان الردع.
فالأمن في الخليج لا يُشترى جاهزًا إلى الأبد، بل يُبنى بالتراكم، وبالشراكات، وبالاستثمار الطويل في أدوات القوة الوطنية.
ومن هنا، فإن بناء ترسانة صاروخية خليجية منضبطة ليس إعلان حرب، بل إعلان أن كلفة الحرب على الخليج لن تبقى رخيصة، وأن أي طرف يفكر في العدوان يجب أن يدرك مسبقًا أن ما ينتظره ليس مجرد اعتراض لضربته الأولى، بل قدرة متكاملة على الصمود والرد وفرض كلفة تجعل المغامرة نفسها غير جديرة بالمخاطرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك