السياسة مهنة اللاأخلاق.
والدول التي لها نهج وطني حقيقي وتسيرها مصالحها.
والمخفي أعظم وأخطر في نهج الدول، حيث انه ليس كل ما يحصل يظهر للعلن.
وقد تتعاون وتلتقي الدول في مصالحها مع أعدائها، وقد تُظهِر الدول خلاف ما تُبطِن في علاقاتها.
كما ان الحروب انواع، منها: — ( حروب بالوكالة Proxy Wars )، و ( حروب مصالح )، و( حروب بين دول متحالفة بالخفية )، و ( حروب تحرير ) و ( حروب تحريك )، وغيرها.
الحرب بين أمريكا وإيران، طابعها، وآلياتها، ووتيرتها، وأحداثها، ووقائعها تشي بأنها حرب نتيجة خلاف بين حلفاء على تقاسم النفوذ والسيطرة في المنطقة.
وأعتقد انه ستظهر إرهاصات التحالف بشكل جليّ وواضح، بدل ان كان تحالفاً خفياً في السرّ.
والحرب الحالية، وحرب ال ( ١٢ ) يوماً في حزيران ٢٠٢٥، كشفت دلائل عديدة على انها حرب نتيجة ( خلاف ) بين حلفاء، وليست حرباً بين أعداء.
والأدلة كثيرة، وأهمها: لو كانت إيران على عداء مع أمريكا، هل كانت تسمح بإحتلال العراق؟ وهل كانت ستسمح لأمريكا ان تتواجد على حدودها؟ والدليل الآخر، ان أمريكا وإيران تقاسمتا الأدوار في تدمير العراق، وسرقة ثرواته وخيراته، وبعدها سيطرت امريكا بإنشاء عشرات القواعد العسكرية الأمريكية على أرض العراق، وأطلقت يد إيران في تدمير العراق وتفكيكه ديمغرافياً، وعقائدياً، ومناطقياً، وعشائرياً.
وأسست إيران عشرات الميليشيات الطائفية، التي أحكمت قبضتها على العراق سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وأمنياً.
الصراع الأمريكي الإيراني، هو صراع الحلفاء على تقاسم السيطرة، والنفوذ.
وهذا ليس غريباً، ولا يحدث لأول مرة بين الدول.
فما أكثر الحروب التي نشبت بين الحلفاء في التاريخ الإنساني.
نعم تاريخياً حدثت حروب وصراعات بين دول متحالفة في ( الخفية )، او تنسق مصالحها سِرّاً، بينما تَظهر للعلن كأعداء.
من أبرز الأمثلة في التاريخ الحديث، وقبل إندلاع الحرب العالمية الثانية، وقّع الطرفان الإتحاد السوفييتي والمانيا النازية، وقعا سِراً، إتفاقية ( مولوتوف - ريبنتروب ) في شهر ١٩٣٩/٨، والتي تضمنت بنداً سرياً لتقسيم بولندا واوروبا الشرقية.
ورغم هذا التحالف والتعاون الإقتصادي ( الخفيّ )، إستمرت العداوة الأيديولوجية ( الشيوعية ضد الفاشية ) في الظهور إعلامياً، حتى إنتهى هذا التوافق السري فعلياً، بغزو هتلر للإتحاد السوفييتي في شهر ١٩٤١/٦.
وكذلك خلال فترة الحرب الباردة، تجنبت القوى العظمى ( الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي ) الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة مع بعضها البعض، وبدلاً من ذلك، خاضت حروباً بالوكالة ( Proxy Wars )، حيث قدمت كل دولة السلاح، والدعم المالي واللوجستي لحكومات او ميليشيات محلية، تتقاتل فيما بينها، بينما يحافظ القادة الكبار على قنوات تواصل وتهدئة في ( الغُرف المغلقة ).
وفي اوروبا القديمة، كثيراً ما كانت الإمبراطوريات والممالك، تعقد معاهدات سرية لضمان عدم التدخل، او (( لإقتسام النفوذ ))، بينما تعلن الحرب لذر الرماد في العيون، او لتأمين مصالح إقتصادية، ومن الأمثلة الكلاسيكية حرب (( الثلاثين عاماً )) في اوروبا.
حيث كانت بعض الدول الكاثوليكية تدعم سراً تحالفات مع البروتستانت، والعكس صحيح، وذلك لأسباب سياسية بحتة، تتعلق (( بتوسيع النفوذ ))، وليس بسبب الخلافات الدينية (( الظاهرة )).
وهناك حرباً من نوعٍ آخر، علينا ان لا ننساها نحن العرب، وهي حرب رمضان عام ١٩٧٣.
حيث إستعد الزعيم العربي المرحوم / جمال عبدالناصر، للتجهيز لحرب (( تحرير ))، وبعد وفاته، وإنتقاله الى جوار ربه زعيماً عروبياً صادق الإنتماء، حوّلها الرئيس / محمد أنور السادات الى حرب (( تحريك )) هادفاً منها إبرام صفقة سلام مع العدو الصهيوني.
الأمثلة كثيرة على الحروب (( الخفية )).
وعليه أطرح سؤالاً على القراء الكرام: هل شَهِد، او سمِع، او قرأ، او حتى تخيل أحداً منهم حرباً، مثل حربي أمريكا وإيران في شهر ٢٠٢٥/٦ — التي سُميت بحرب ال ( ١٢ ) يوماً، والحرب الحالية التي شنتها امريكا والكيان الصهيوني على إيران بتاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٨، والتي استمرت ( ١٠٨ ) أيام، حيث توقفت بتاريخ ٢٠٢٦/٤/٨.
وحوالي ( ٧١ ) يوماً تنوعت بين إشتباكات، ومفاوضات، واتهامات، وقصف أهداف مُختارة، ويرد الطرف الآخر، وأحياناً لا يرد، حسب توازنات معينة ترسمها أمريكا، وينصاع لها الطرفان.
القراء الكرام هل سبق في حروب العالم كلها، ان يُبلغ الطرف المهاجم، الطرف المنوي مهاجمته عن اسماء المواقع التي سيتم إستهدافها وقصفها (( ثأراً ))، مع تحديد ساعة الإستهداف! ؟ هذا أقرب لخلاف بين أحبّة مِنه الى حربٍ بين أعداء.
في رأيي المتواضع، انه أحياناً كانت الأطراف الثلاثة لا تضبط الأمور، ولا تسيطر على بعض الهجمات، او عمليات القصف، والسبب هم العسكر لدى الاطراف الثلاثة، فأحياناً يتمرد العسكر الأمريكان، وأحياناً الحرس الثوري، وتغض امريكا وايران الطرف للسماح للعسكريين ( بفش غِلهم وغيضهم )، لأنهم خارج اللعبة، ولا يعلمون بها.
على فكرة الكيان الصهيوني يعرف اللعبة، لكنه يختلف مع الأمريكان على تقسيم الأدوار، وآليات السيطرة على المنطقة، وهو يطمع في حصة الأسد بندية كطرف مستقل وليس تحت العباءة الأمريكية.
وعند عمل تلخيص لنتائج الحرب، أقول: — ( هُزِمت ) أمريكا والكيان، وضاعت هيبتها، وما حصل تأكيد على ان أمريكا الى ( أفول ).
والكيان ( تمرمط ) وذاق الدمار، والخراب، والخوف، وعدم الأمان.
ودُمرت إيران، وأحرزت مكاناً علياً بين الأمم، والعرب هم الخاسرون في حربٍ لم يخوضوها، ولم يسعوا اليها، ولم يُشعِلوا فتيلها، وسوف يتقاسمهم الأعداء الثلاثة، وهم صاغرون.
الأمريكان يحتقرون العرب، ويودون التفرد بنهب خيراتهم.
والعدو الصهيوني يكيد بنا، ويطمع بإحتلالنا وتحقيق الحلم التوراتي من النيل الى الفرات، ويكيد بما يتبقى من الوطن العربي ليكون تابعاً مستسلماً، ذليلاً خاضعاً.
والإيرانيون يكرهون العرب جينياً، ويطمعون في أرضنا وثرواتنا، وتحتل واقعياً أضعاف ما يحتله الكيان الصهيوني.
وهم حلفاء، لكنهم يختلفون على تقاسم النفوذ والسيطرة علينا.
لذلك ثلاثتهم بالنسبة للعرب أعداء وشياطين، ولا يمكن ان يتمنوا لنا خيراً.
الخلاف علينا ونحن نيام.
وستبدي الأيام بان ما أظهرته هذه الحرب ليس سوى إرهاصات لتحالف سيصبح (( جلياً ))، بدل ان كان (( خفياً )).
وأختم بما قاله وزير الخارجية الأميركي الأسبق / هنري كيسنجر الى رئيس وزراء العدو / مناحيم بيغن، حيث قال: (( إنني أُسلِّمك أمةً نائمة )).
لكنني كلي ثقة بأن أمتنا العربية الضعيفة، المهزومة، سوف تنهض، ويلوح في الأفق الإنتصار بعد الإنحسار والإنكسار، وهذا ديدن الأمم منذ بدء الخليقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك