لم تكشف التجربة البرلمانية العراقية عن أزمة تشريعية فحسب، بل كشفت خللاً عميقاً في معايير التمثيل السياسي، حتى بات المواطن يتساءل: كيف وصل بعض هؤلاء إلى قبة البرلمان وهم يفتقرون إلى أبسط مقومات النائب من ثقافة ومعرفة وخبرة وسلوك؟في الديمقراطيات الراسخة قد تظهر نماذج ضعيفة أو مثيرة للجدل، لكنها تبقى استثناءً.
أما في العراق، فإن ظاهرة ضعف الكفاءة لدى بعض ممثلي الشعب تحولت إلى أزمة مزمنة أثقلت كاهل الدولة وأفقدت المؤسسة التشريعية كثيراً من هيبتها.
الحصانة النيابية وُجدت لحماية النائب الحر في رأيه وموقفه، لا لتكون ملاذاً للهروب من المساءلة أو مظلة تقي الفاشلين والفاسدين من النقد والمحاسبة.
غير أن الواقع أفرز مشهداً مقلقاً، حيث اختلطت الوظيفة الرقابية بالمصالح الشخصية، وتداخلت المسؤولية الوطنية مع حسابات النفوذ والامتيازات.
بين قبة البرلمان من يجهل أبجديات العمل التشريعي، ومن يتعامل مع المنصب باعتباره منصة للظهور الإعلامي لا ساحة لصناعة القوانين.
ومنهم من يثير الرأي العام بمعلومات مضللة أو وثائق خارج سياقها الزمني، ومن يطلق تصريحات تفتقر إلى أبسط قواعد المسؤولية، بما يضر بمصالح البلاد واقتصادها وعلاقاتها الخارجية.
كما أن صعود بعض الشخصيات عبر المال السياسي أو المحسوبية أو النفوذ الحزبي أضعف ثقة الشارع بالعملية الديمقراطية، وحوّل المنافسة الانتخابية في نظر كثيرين من ساحة برامج وأفكار إلى ساحة نفوذ ومصالح.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن المشهد لا يخلو من شخصيات برلمانية محترمة، أثبتت حضورها بالكفاءة والنزاهة والمواقف الوطنية الرصينة، وقدمت نموذجاً مختلفاً للنائب الذي يحمل هموم المواطنين ويدافع عن مصالحهم بعيداً عن الضجيج والاستعراض.
ويبقى الفارق شاسعاً بين نائب يرى المنصب تكليفاً وطنياً ومسؤولية أخلاقية، وآخر يراه فرصة للنفوذ أو الشهرة أو المكاسب.
وبين هذين النموذجين تتحدد صورة البرلمان في أعين الناس، ويتحدد معها مستقبل الثقة بين المواطن والدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك