في لحظة فريدة تمازج فيها الواقع بالخيال وغلبت عليها السكينة، لم يكن نهر النيل في عيون الأطفال مجرد مجرى مائي يتدفق برتابة بين ضفتين، بل تجسَّد أمامهم ككائن حي يفيض بالأمان ويرافق أحلامهم الغضة، ليصوغ كل طفل حكايته مع النهر استناداً إلى فيض مشاعره وخياله؛ فمنهم من اتخذه صديقاً وفياً يبوح له بأسراره، ومنهم من استشعر فيه غموضاً ساحراً يخبئ في أعماقه أسراراً تفوق ما يظهر على سطحه.
وفي جميع اللوحات، لم يظهر النيل بصورته النمطية المعتادة، بل تجلى كمفهوم نابع مما يعتمل في قلوبهم من أحاسيس، وليس مما تقع عليه أبصارهم في الواقع.
من هذا المنطلق، اختارت الفنانة التشكيلية منال زكريا، المهتمة بقضايا التنمية الثقافية والحضارية للطفل، أن تؤسس من الفن فضاءً رحباً يدمج بين متعة التعلم وحرية التعبير، وفي ظل تصاعد الصيحات والنداءات العالمية والمحلية الداعية إلى حماية البيئة وغرس الوعي البيئي في وجدان الأجيال الناشئة، قررت أن تمنح هؤلاء الصغار مساحتهم الإبداعية المستقلة؛ ليتلمسوا بأعينهم النقية وعقولهم الشغوفة طبيعة ارتباطهم الروحي بواحد من أقدس رموز الهوية المصرية وأكثرها أصالة عبر التاريخ.
معرض «ما زال النيل يجري» بمشاركة 44 طفلاً وطفلةوجاءت هذه الرؤية متجسدة في المعرض الفني الذي أطلقته تحت عنوان «ما زال النيل يجري»، بمشاركة 44 طفلاً وطفلة تتراوح أعمارهم بين 7 و18 عاماً، وتحكي «منال» أن هذا المعرض يمثل امتداداً طبيعياً لمشروعاتها الفنية السابقة الموجهة للنشء، والتي كان من أبرزها معرض «مصر على مر الفنون»، وتصوغ فلسفتها في دمج الفن بوعي الأطفال قائلة: «أنا مهتمة إن الفن يبقى وسيلة يخلي الطفل يفهم تاريخه وبيئته بطريقة بسيطة وقريبة منه ومن قدرته الفكرية، وعشان كده فكرت إن النيل يكون محور التجربة الجديدة».
وتستمد الفكرة أبعادها من الرمزية الخالدة للنيل، الذي شهد على مدار آلاف السنين نشأة الحضارة وتطورها، وظل شاهداً حياً على معاني العطاء والاستمرارية، ومن هذه الروح انطلقت شرارة التجربة، ليعبر كل مشارك عن تصوره الخاص للنهر والبيئة المحيطة به.
وتشير منال إلى أن التباين في الرؤى كان من أبهج المفاجآت، معبرة عن ذلك بقولها: «الغريب والجميل في نفس الوقت إن كل طفل قدَّم حاجة مختلفة تماماً عن التاني، رغم إنهم كلهم اشتغلوا على نفس الفكرة، كل واحد شاف النيل بعينه هو، وعبَّر عنه بطريقته الخاصة، ودي حاجة فرحتني جداً».
رسالة بيئية صريحة تهدف إلى التوعية بحماية النهر من التلوثولإضفاء عمق بيئي ملموس، حرصت على تنفيذ الأعمال الفنية على ماكيتات خشبية؛ في اختيار واعٍ يحمل رسالة بيئية صريحة تهدف إلى التوعية بحماية النهر من التلوث، وتنمية روح المسؤولية تجاه الموارد الطبيعية.
وقد جرى اختيار المبدعين الصغار من ورشة فنية أشرفت عليها بنفسها، حيث سبقت مرحلة التنفيذ جلسات حوارية لتعريفهم بقيمة المياه، قائلة: «كان مهم بالنسبة لي إن الأطفال يفهموا الفكرة الأول، وبعد كده يعبَّروا عنها بحرية وكل واحد يوصفها بإحساسه في عمله الفني اللي هيشارك بيه».
وفي سياق هذه الإبداعات، برزت لوحة عبدالرحمن أحمد، 18 عاماً، الذي استلهم فكرته من لعبة إلكترونية على جهاز «البلاي ستيشن» استعرضت ملامح التاريخ المصري القديم وعناصره الطبيعية كالتمساح والنيل، وجسَّد التمساح بشكل بارز ومجسم ليمنح لوحته بُعداً بصرياً ثلاثي الأبعاد يجذب الأبصار، موضحاً شغفه بالتجربة بقوله: «أنا بحب فكرة إن التماسيح عايشة في النيل من ملايين السنين، وده كان أكتر شيء أثر فيَّ وأنا بشتغل على اللوحة، ونفسي الجمهور يتأثر بالعمل والفكرة زي ما أنا اتأثرت بيها».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك