تأتي مذكرة التفاهم الأولية بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها حسابات الردع العسكري مع ضرورات تجنب الحرب الشاملة، خاصة في منطقة الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
ورغم أن المذكرة لا ترقى بعد إلى مستوى اتفاق نهائي ملزم، فإنها تمثل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وطهران عبر منطق “إدارة التصعيد” بدلاً من حسم الصراع.
عند مقارنتها بالاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس باراك أوباما عام 2015، تبدو الفلسفة السياسية مختلفة جزئياً.
فقد قام اتفاق أوباما على فكرة أن تقييد البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يفتح لاحقاً الباب أمام تعديل سلوك إيران الإقليمي.
غير أن هذه الفرضية أثبتت محدوديتها، إذ استفادت إيران من تخفيف العقوبات دون أن تتراجع فعلياً عن نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما بقي ملف الصواريخ الباليستية خارج جوهر الاتفاق.
أما مذكرة التفاهم الحالية في عهد ترامب، فتبدو أقرب إلى مقاربة أمنية براغماتية، هدفها المباشر وقف الانزلاق نحو حرب واسعة، وضمان أمن الملاحة والطاقة، وفتح مسار تفاوضي جديد.
لكنها تحمل في داخلها إشكالية أساسية: فهي تعالج الخطر العاجل، لكنها لا تحسم جذور الأزمة.
فإذا اقتصرت على وقف التصعيد وتخفيف العقوبات دون معالجة البرنامج الصاروخي، ودور الحرس الثوري، وشبكات الوكلاء الإقليميين، فإنها قد تتحول إلى هدنة مؤقتة لا إلى تسوية استراتيجية.
نقطة الضعف الرئيسية في اتفاق أوباما كانت أنه فصل بين الملف النووي والسلوك الإقليمي الإيراني.
أما نقطة الضعف المحتملة في مذكرة ترامب فهي أنها قد تربط التهدئة بتنازلات اقتصادية وسياسية سريعة، دون وجود آلية صارمة للتحقق والمحاسبة.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن تغيير سلوك إيران من خلال الاتفاقات الجزئية، أم أن طهران تستخدم هذه الاتفاقات لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها؟بالنسبة لدول الخليج، تحمل المذكرة وجهين متناقضين.
فمن جهة، أي خفض للتوتر مع إيران يخفف مخاطر الحرب، ويحمي الملاحة في مضيق هرمز، ويمنح الاقتصادات الخليجية هامش استقرار.
ومن جهة أخرى، فإن أي تفاهم أمريكي ـ إيراني يتم من دون مشاركة خليجية مباشرة قد يثير قلقاً مشروعاً من تكرار تجربة 2015، حين شعرت دول المنطقة بأن أمنها الإقليمي تم التعامل معه كملف ثانوي.
أما إسرائيل، فستنظر إلى المذكرة من زاوية أكثر حدة.
فالمعيار الإسرائيلي لن يكون وقف التصعيد فقط، بل مدى قدرة المذكرة على منع إيران من الاقتراب من العتبة النووية، وتجفيف موارد حلفائها المسلحين، والحد من قدراتها الصاروخية.
وإذا لم يتحقق ذلك، فقد ترى إسرائيل أن المذكرة تمنح إيران وقتاً ثميناً ومساحة مالية وسياسية لإعادة بناء قدراتها.
في النهاية، لا تكمن أهمية مذكرة التفاهم في نصوصها الأولية بقدر ما تكمن في المسار الذي ستفتحه.
فإذا تطورت إلى اتفاق شامل يدمج الملف النووي بالأمن الإقليمي، فقد تشكل فرصة لإعادة بناء توازن أكثر استقراراً.
أما إذا ظلت مجرد صفقة مؤقتة لتجميد الأزمة، فإنها قد تعيد إنتاج أخطاء اتفاق أوباما، ولكن في بيئة إقليمية أكثر خطورة وتعقيداً.
المصدر: بقلم: دكتور الصادق خلف الله.
عضو مجلس أمناء مركز الملك حمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك