ربما لم يكن يدرك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عندما قرر المشاركة أواخر مايو/أيار الماضي في إعادة دفن رفات أحد قادة ما يُعرف باسم" جيش التحرير الأوكراني" أندريه ميلنيك وزوجته في كييف، أنه سيشعل أزمة دبلوماسية بين بلاده وجارتها بولندا.
الرئيس الأوكراني لم يكتفِ في حينه بتكريم ذكرى ميلنيك، فقد أطلق اسم" أبطال جيش التحرير الأوكراني" على مركز العمليات الخاصة" الشمال" ضمن قوات العمليات الخاصة الأوكرانية.
ويرى بعض الأوكرانيين" جيش التحرير الأوكراني" أبطالا لمقاومتهم خلال الحرب العالمية الثانية ضد الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية، ورموزا لنضال كييف من أجل الاستقلال عن موسكو.
ويُعد الجيش -الذي تسميه بولندا" جيش التمرد الأوكراني" - جزءا من حركة قومية قاتلت السوفيت والنازيين خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه تورط أيضا -بحسب الرواية البولندية- في مجازر وقعت بين عاميْ 1943 و1945 بحق مدنيين بولنديين، لا سيما في منطقة فولينيا، فضلا عن اتهامات بالتعاون مع ألمانيا النازية في بعض المراحل.
في المقابل لقي آلاف الأوكرانيين حتفهم في عمليات قتل انتقامية.
وفي أول رد فعل بولندي، قرر يان بيكلو السفير البولندي السابق في أوكرانيا التخلي رسميا عن وسام" الاستحقاق الأوكراني" احتجاجا على تمجيد السلطات الأوكرانية لمن أسماهم" قتلة البولنديين من عداد جيش المتمردين الأوكراني".
وبعد قرابة 20 يوما، قرر الرئيس البولندي كارول نافروتسكي تجريد نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من" وسام النسر الأبيض" -أعلى وسام شرف في البلاد- واصفا قراره بأنه احتجاج على تسمية زيلينسكي وحدة عسكرية باسم" جيش التمرد الأوكراني"، وهو تنظيم قومي ارتكب مذابح ضد بولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.
وقال الرئيس البولندي -في بيان إن بولندا دعت أوكرانيا" مرارا" إلى التراجع عن تسمية الوحدة باسم" جيش التمرد الأوكراني"، لكن" موقف الجانب الأوكراني لم يتغير".
من جهته، هاجم رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زيلينسكي، إلا أنه كان أقل حدة في انتقاده له، وقال إن هذا الأخير (زيلينسكي) يحاول إقناع بولندا بأنه لم يقصد الإساءة إليها من خلال تسمية وحدة عسكرية تكريما لشخصيات من" جيش التمرد الأوكراني".
لكنه حث كلا الزعيمين على التحلي بالهدوء.
وجاء قرار نافروتسكي، الذي يعارضه رئيس وزرائه دونالد توسك، قبل أيام من استضافة بولندا مؤتمر التعافي السنوي لأوكرانيا في مدينة غدانسك المطلة على بحر البلطيق.
ولم يتضح بعد ما إذا كان زيلينسكي سيحضر المؤتمر.
ولم يخفِ نافروتسكي حتى قبل وصوله إلى السلطة عام 2025، انتقاداته لأوكرانيا، وعارض بصورة خاصة انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وفي كييف، أعلن الرئيس زيلينسكي أنه أعاد إلى وارسو أرفع وسام بولندي، بعدما سُحب منه، على خلفية توترات مرتبطة بتاريخ البلدين الجارين.
ونشر زيلينسكي صورة للوسام أثناء شحنه إلى بولندا في منشور على منصة إكس، وعلّق قائلا" كنا نظن أن وسام النسر الأبيض الممنوح في عام 2023، كان موجها إلى الشعب الأوكراني وجيشنا.
هذا ما أُعلن حينها".
لكنه شدّد على أن أوكرانيا" ستبقى منفتحة على كل أشكال التعاون البناء مع بولندا، لتفادي تفسيرات متباينة للمراحل الصعبة والمؤلمة من ماضينا المشترك".
ولم يقتصر الرد الأوكراني على إعادة الوسام، فقد أعلن كل من مدير مكتب الرئاسة الأوكراني كيريلو بودانوف، ووزير الخارجية أندري سيبيها، والسفير الأوكراني في بولندا فاسيل بودنار، عن إعادتهم للأوسمة الحكومية البولندية التي سبق أن مُنحوا إياها.
وكتب وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها على فيسبوك" قرار تجريد رئيس أوكرانيا من وسام النسر الأبيض هو خطأ إستراتيجي من جانب رئيس بولندا لا يصب في مصلحة أحد سوى موسكو".
وأضاف" نأسف أن تكون العواطف تغلبت على العقل في وارسو ودفعت المسؤولين السياسيين البولنديين إلى اتخاذ إجراءات غير مبررة.
تنمّ عن ازدراء"، واصفا الأمر بأنه" تصعيد غير مفيد" بين البلدين.
كما تخلى الرئيس الأوكراني الأسبق ليونيد كوتشما، الذي قاد البلاد لأكثر من عقد حتى عام 2005، عن وسام" النسر الأبيض" البولندي الذي مُنح له عام 1997، وفقا لما أوردته وكالة" إنترفاكس-أوكرانيا" نقلا عن ممثل مؤسسته.
في موسكو، رحّب الرئيس السابق ورئيس الوزراء الأسبق ديمتري ميدفيديف على منصة إكس بقرار نافروتسكي، واتّهم كييف بالتقارب مع النازية.
بدوره، قال عضو لجنة الشؤون الدستورية في مجلس الاتحاد الروسي، أليكسي بوشكوف، إن" حرب الأوسمة قد اندلعت بين أوكرانيا وبولندا".
وأضاف بوشكوف أن" وارسو تتجنب بعناية القضية الرئيسية: فكيف يمكنها دعم دولة تمجد عصابات النازيين الأوكرانيين وقادتهم الذين ارتكبوا إبادة جماعية بحق 100 ألف بولندي؟ ".
ورغم أن بولندا -العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)- تُعد من أبرز الداعمين لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب مع روسيا قبل أكثر من أربع سنوات، إذ استقبلت مئات الآلاف من اللاجئين، وشكلت مركزا رئيسيا لإيصال المساعدات الغربي، فإن الخلافات التاريخية ظلت تلقي بظلالها على العلاقة بين الجانبين.
ويضع هذا التوتر أحد أهم التحالفات الداعمة لأوكرانيا أمام اختبار صعب، في وقت تعتمد فيه كييف على الدعم البولندي والغربي لمواصلة مواجهة روسيا، وفق محللين.
ويهدد الخلاف بشأن دور" جيش المتمردين الأوكرانيين" بتعميق الخلاف الدبلوماسي بين الشريكين الإستراتيجيين المقربين في وقت تحشد فيه كييف حلفاءها للضغط على روسيا لإنهاء حربها على أوكرانيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك