قد تكون الدروس التي ستستخلصها القيادة الإيرانية من حرب الـ110 أيام عاملا حاسما في تحديد مصير المفاوضات مع الولايات المتحدة، وما إذا كانت ستقود إلى اتفاق نووي يؤدي إلى مرحلة اقتصادية وسياسية جديدة، بحسب صحيفة غارديان البريطانية.
ويتعلق السؤال المطروح داخل هذا المسار بطبيعة القيادة التي تشكلت تحت ضغط الحرب وما إذا كانت ستتعامل مع الحرب باعتبارها دليلا على ضرورة التمسك بالنهج القديم، أم باعتبارها لحظة تدفع نحو براغماتية جديدة يعكسها قبول مذكرة التفاهم مع واشنطن.
يزيد هذا السؤال حساسية غياب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن المشهد العام، وهو ما أوجد لحظة انتقالية غير مكتملة داخل النظام، وفق الغارديان.
وكان خامنئي قد نشر، الخميس، رسالة قال فيها إنه يعارض الاتفاق من حيث المبدأ، لكنه وافق بعد أن قدم الرئيس مسعود بزشكيان تعهدات بأن طهران لن تذعن إذا طالبت الولايات المتحدة بالكثير، مشددا على أن حقوق البلاد ومحور المقاومة يجب أن تُصان.
ووفق الصحيفة، فإن مجتبى وضع نفسه بهذا الموقف في موقع يسمح له بعدم تحمل المسؤولية إذا تعرض السياسيون المنتخبون لانتكاسة في التعامل مع الغرب.
تباين أمريكي بشأن نيات طهرانوتنعكس صعوبة قراءة المشهد في إيران داخل واشنطن نفسها.
فالإدارة الأمريكية لا تبدو موحدة في تقدير ما إذا كانت حرب الـ110 أيام دفعت القيادة الإيرانية إلى البراغماتية، أم أنها منحتها مساحة للمناورة وكسب الوقت في الملف النووي.
فالرئيس دونالد ترمب قال، يوم الجمعة الماضي، إن قادة إيران" أشخاص غير شرفاء للغاية ولا يتعاملون بحسن نية"، ثم وصفهم الثلاثاء بأنهم" أكثر مجموعة عقلانية تعاملنا معها"، قائلا إنهم" ليسوا متطرفين" وإنهم" يسعون إلى مساعدة بلدهم".
ويعتقد فريق ترمب أنه حصل خلال الأسابيع الأخيرة على وصول غير مسبوق إلى شخصيات إيرانية رفيعة في طهران، على نحو لم يتحقق لأي سياسيين أمريكيين منذ ثورة 1979.
وقال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إن الولايات المتحدة لم تقترب من القيادة الإيرانية كما فعلت خلال الأسابيع الأخيرة.
وأضاف أن" الأمر الأكثر إثارة" في التقدم المحرز هو أن شخصيات داخل النظام الإيراني، من القيادات العليا وحتى مسؤولين في الحرس الثوري، أصبحوا يقولون إن الطريقة التي تعاملت بها إيران مع الولايات المتحدة خلال 47 عاما كانت خطأ، بحسب قوله.
غير أن موقف مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف كان محذرا.
فقد قال للرئيس الأمريكي إن المعلومات الاستخبارية تشير إلى وجود فجوة كبيرة بين المواقف التي يعلنها المسؤولون الإيرانيون علنا وما يقولونه سرا.
وبحسب مصدر قريب من النقاشات نقل عنه أكسيوس، خلص راتكليف إلى أن" النيات الإيرانية لا تتماشى مع الالتزامات الواردة في الاتفاق".
وما يظهر واضحا هو أن الدرس الأبرز داخل إيران يتعلق بمضيق هرمز.
فالحرب أظهرت، في نظر مسؤولين إيرانيين، أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض النظام العالمي بمفردها، وأن الجغرافيا قد تكون أداة ردع لا تقل أثرا عن القوة العسكرية التقليدية.
وتظهر أهمية مضيق هرمز أيضا في موقعه داخل تفاهمات نهاية الحرب.
فقد تضمنت مذكرة التفاهم التي وافق عليها الطرفان بنودا فورية مرتبطة بالمضيق وإنهاء الحصار البحري.
وبذلك، تحول مضيق هرمز إلى جزء من بنية التفاهم نفسه.
وهذا ما يجعل أحد الدروس الإيرانية المحتملة أن امتلاك القدرة على تعطيل الممرات الإستراتيجية قد يمنح طهران قوة تفاوضية تفوق أحيانا أثر السلاح النووي.
لكن هذا الدرس لا يقود بالضرورة إلى التصعيد.
فالسؤال داخل طهران هو ما إذا كان هرمز أثبت أن إيران لا تحتاج إلى النووي، أم أن قيمته بوصفه ورقة ضغط قد تتراجع مع الوقت.
ويظهر درس آخر من الحرب داخل النظام الإيراني نفسه.
فقبول مذكرة التفاهم لم يكن محل إجماع، بل فتح معركة بين تيار يرى الاتفاق فرصة لتثبيت الاستقرار، وتيار يعتبره تنازلا أمام الغرب.
ونقلت الغارديان أن الجبهة الإيرانية التي عارضت بشدة مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة معروفة باسم" جبهة بايداري"، وهي من أشد معارضي الانخراط مع الغرب.
وترتبط هذه الجبهة بالمفاوض النووي السابق سعيد جليلي، ولها حضور بارز في البرلمان، وقد وصفت الاتفاق بأنه كارثة.
وظهر عدد من أعضائها في تجمعات في الشارع وعلى شاشات التلفزيون للتنديد بفريق التفاوض، واعتبار ما جرى خيانة للثورة وللمرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
كما وفر وحيد جليلي، شقيق سعيد جليلي، الذي يدير جزءا كبيرا من هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، منصة لمنتقدي الاتفاق، في خطوة أثارت إحباط بزشكيان علنا.
ويعيد الجدل الحالي، إلى حد ما، إنتاج المعركة التي شهدتها إيران عند توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
ففي ذلك الوقت، تحول وزير الخارجية والمفاوض الرئيسي محمد جواد ظريف إلى هدف لهجمات استمرت سنوات، واتُّهم بالسذاجة لأنه أبرم اتفاقا مع" الشيطان الأكبر".
وعندما انسحب ترمب من الاتفاق النووي بشكل أحادي عام 2018، ألحق ضررا كبيرا بالتيار الذي كان يرى أن انفتاح إيران على الأسواق الغربية ضرورة.
ومنذ ذلك الحين، اضطر مؤيدو التفاوض إلى مواجهة حجة قوية مفادها أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها.
واليوم، يضعف عجز ترمب عن ضبط إسرائيل في لبنان موقع المفاوضات داخل طهران، إذ يمنح" المتشددين" مادة إضافية للتشكيك في قدرة واشنطن على تنفيذ التزاماتها أو إلزام حلفائها بها.
مع ذلك، يبدو أن" المتشددين" كانوا الطرف الذي اضطر إلى التراجع.
فأنصار الاتفاق يحققون نفوذا متزايدا داخل النظام الإيراني، وهو ما يشير إلى درس سياسي آخر من الحرب يظهر أن التكلفة العالية للمواجهة قد تدفع مراكز القرار إلى ترجيح الاستقرار.
ويبرز في هذا السياق رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، المحافظ المائل إلى بناء التوافق، الذي أعيد انتخابه أخيرا رئيسا للبرلمان.
وقد بدا قاليباف واثقا من موقعه إلى درجة أنه اقترح إجراء تصويت في المجلس الأعلى للأمن القومي بشأن قبول الاتفاق.
وبشكل غير معتاد، سُمح لأعضاء من الجيش أيضا بالتصويت.
ولم يعارض الاتفاق سوى شخص واحد من الحاضرين، يُعتقد أنه على الأرجح سعيد جليلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك