تحليل بقلم الزميل باتريك سونغ كوادرادو بـCNN(CNN)— مع اقتراب الدقائق الأخيرة من مباراة إسبانيا والرأس الأخضر (كابو فيردي)، بلغ التوتر ذروته، حيث حاول المنتخب الإسباني فرض أسلوبه والضغط لتحقيق ما شعروا أنه حق مشروع لهم، بينما دافع الفريق الأقل حظًا ببسالة وكأن حياتهم على المحك.
وعندما أطلق الحكم صافرته معلنًا التعادل السلبي الصادم (0-0)، اهتز ملعب" مرسيدس-بنز" فرحًا بالنجاح الذي حققه منتخب الرأس الأخضر؛ لقد نجح الطرف الأضعف في الصمود.
وبدا أن العالم بأسره يحتفل بهذه اللحظة، باستثناء" لا روخا" وجماهيره.
يأتي ذلك في أول ظهور لمنتخب الرأس الأخضر بكأس العالم، في مباراة أقيمت على أرض ملعب" مرسيدس بنز"، الاثنين، ضمن الجولة الأولى من دور المجموعات في بطولة كأس العالم 2026.
إن ما سيُصنف بالتأكيد كإحدى اللحظات الكبرى في كأس العالم هذه، كان نتاجًا لقليل من الحظ والكثير من الدفاع البطولي بكل تأكيد، لكن معظم اللوم – أو الإشادة، (اعتمادًا على موقعك) يقع على عاتق الكتيبة الإسبانية.
تمتلك إسبانيا ما يكفي وزيادة من المواهب في تشكيلتها للتغلب على الرأس الأخضر، ورغم غياب اثنين من أفضل لاعبيها، كان يتعين على الفريق أن يخرج منتصرًا.
غير أن سلسلة من المشكلات كلفت" لا روخا" النقاط الثلاث في نهاية المطاف – والأكثر إثارة للقلق، أنها تؤشر إلى عادات سيئة محتملة قد تكلف هذا الفريق فرصة رفع كأس العالم للمرة الثانية في تاريخه.
وحتى نضع الأمور في نصابها: فإن النتيجة في حد ذاتها ليست نهاية العالم بالتأكيد، بل إنها ليست مقلقة بشكل خاص كحصيلة رقمية.
فإذا فازت إسبانيا بمباراتيها المقبلتين، فستتأهل على الأرجح كمتصدرة للمجموعة.
كما أن هناك سوابق لتعثر مبكر أو اثنين لم يكن لهما تأثير كبير في البطولات الكبرى الأخيرة؛ إذ فازت الأرجنتين بكأس العالم الأخيرة بعد خسارتها الافتتاحية أمام السعودية، وتوجت البرتغال ببطولة يورو 2016 بعد تسللها إلى الأدوار الإقصائية إثر ثلاثة تعادلات في دور المجموعات، وفازت إسبانيا بكأس العالم 2010 بعد خسارة مباراتها الأولى أمام سويسرا.
لكن المشكلة، إذا كنت من مشجعي" لا روخا"، تكمن في كل شيء تقريبًا باستثناء النتيجة.
كان الفريق الذي توج بلقب يورو 2024 ديناميكيًا، متدفقًا، وذا عقلية هجومية، مع خط وسط قوي للغاية وتركيز كبير على اللعب الخارق عبر الأطراف: لا سيما من النجمين الشابين لامين يامال ونيكو ويليامز.
وقد كان لغياب يامال عن التشكيلة الأساسية ضد الرأس الأخضر – وهو الذي يتم إشراكه تدريجيًا بعد إصابة في الفخذ أنهت موسمه مع ناديه في أواخر أبريل/نيسان – وويليامز الذي أصيب هو الآخر في الفخذ أواخر الموسم، أثر بالغ وواضح؛ إذ يمنح هذان الشابان الفريق الحيوية والاتساع اللذين بُنيت عليهما خطة اللعب.
وفي غيابهما، دفع مدرب إسبانيا لويس دي لا فوينتي – في خطوة مثيرة للحيرة إلى حد ما – بثنائي برشلونة فيران توريس وغافي كبديلين لهما.
وعادة ما يلعب توريس كمهاجم صريح، ولم يشارك سوى في 158 دقيقة فقط موزعة على أربع مباريات (من أصل 47) كجناح أيمن في جميع المسابقات هذا الموسم.
أما غافي فقد عاد مؤخرًا من تمزق في الغضروف المفصلي أبعده عن الملاعب لأكثر من ستة أشهر، فضلاً عن أنه يُوظف أساسًا كلاعب خط وسط مركزي مع برشلونة – وإن كان مدرب برشلونة هانسي فليك قد دفع به كجناح أيسر لمدة 109 دقائق في مباراتين هذا الموسم – وهو لا يشتهر بالتسارع الخارق أو السرعة الفائقة، خاصة بعد جراحة الركبة.
وقدم كلاهما أداءً باهتًا؛ حيث فشل غافي في توفير السرعة اللازمة لفك التكتل الدفاعي للرأس الأخضر، بينما أهدر توريس عدة فرص لوضع إسبانيا في المقدمة – بما في ذلك كرة سهلة أمام المرمى كان من شأنها فتح الباب على مصراعيه للتسجيل لو لم ترتد من العارضة.
حتى إن عدم دقة توريس أمام المرمى قد فجّر سيلًا من الصور الساخرة (Memes) على وسائل التواصل الاجتماعي الناطقة باللغة الإسبانية من قِبل المشجعين المحبطين والمتابعين المحايدين المستمتعين بالموقف.
أما الشق الآخر من تشكيلة 2024 لإسبانيا والتي تألقت بوضوح في الفوز بالبطولة الأوروبية فكان خط الوسط المذهل، ولكن على الرغم من استمرار رودري وفابيان رويز منذ ذلك الفوز في نهائي اليورو وانضمام بيدري المتعافي، فقد لعب هذا الخط أيضًا بمستوى أقل بكثير من التوقعات في أتلانتا.
وبدا نجم مانشستر سيتي (رودري) – على وجه الخصوص – بطيئًا ولا يشبه الفائز بالكرة الذهبية لعام 2024 أو حتى الصورة التي أنهى بها الموسم الماضي مع ناديه، كما لم يكن رويز في أفضل حالاته ولم يقدما التمريرات الحاسمة والمخترقة لصنع الفارق في معظم فترات المباراة، وبديا وكأنهما يتبادلان الكرة ويحافظان على الاستحواذ لمجرد الاستحواذ فقط.
والدليل على ذلك هو أن المهاجم الأساسي ميكيل أويارزابال أصبح أول لاعب في التاريخ منذ بطولة 1966 لا يلمس الكرة ولو لمرة واحدة في أول 30 دقيقة ضد فريق" القروش الزرقاء"، وفقًا لإحصائيات" أوبتا".
وكانت النقطة المضيئة الوحيدة في خط الوسط هي الحضور القوي لبيدري الذي لعب في غير مركزه وقدم رغم ذلك أداءً عامًا مقبولًا، ولكن حتى هو لم يسلم من انتقادات الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي لوقوعه في فخ مألوف.
أصداء خيبات المونديال الماضيبدا الفريق ككل أبطأ بخطوة، وكأنه نسي الطريقة التي لعب بها في بطولة أمم أوروبا الأخيرة، واختار بدلاً من ذلك أسلوب" التيكي تاكا" الكلاسيكي القديم الذي يذكرنا بإخفاقات كأس العالم الماضية (2014 و2018 و2022).
لم تكن هناك أي تمريرات مخترقة أو تحركات لمحاولة كسر التكتل الدفاعي المتأخر للرأس الأخضر – حيث بلغت تمريرات إسبانيا المكتملة 734 تمريرة، بدا معظمها عرضيًا أو خلفيًا – وبدلاً من ذلك، كان هناك الكثير من التمني بأن يرتكب منافسوهم الأفارقة خطأً ما.
ولسوء حظهم، لم يرتكب المنافس أي خطأ، ومن المرجح أن هذا الأسلوب لن يجدي نفعًا أمام خصوم أقوى.
وقال الصحفي الإسباني ميغيل كينتانا في برنامجه الإذاعي على شبكة" ماركا": " النتيجة يمكن أن تخدعك، لكن ما لا يكذب أبدًا هو أسلوب اللعب.
وبالأمس، توقفت إسبانيا عن الظهور بمظهر فريق 2024 وبدأت تبدو مثل إسبانيا في أسوأ لحظات 2022 و2018.
هذا هو ما ينبغي أن يقلقنا، وهذا ما يجب أن يقلق لويس دي لا فوينتي".
وبدت تشكيلة دي لا فوينتي لبدء مباراة، الإثنين، واثقة أكثر من اللازم بشكل ما – ولسان الحال يقول" نحن إسبانيا وأنتم الرأس الأخضر" – بإشراكه" الأجنحة" المذكورين سلفًا بدلاً من خيارات أكثر ملاءمة مثل فيكتور مونيوز (إذا كان جاهزًا تمامًا)، أو يريمي بينو أو أليكس باينا.
ومع تقدم المباراة ووضوح أن الأمور لا تسير على ما يرام على الإطلاق، ترسخ هذا الانطباع أكثر.
ولم يتفاعل مدرب" لا روخا" بالسرعة الكافية مع الموقف، بل اختار الاستمرار على النهج نفسه بعد استراحة الشوطين – معتمدًا على لاعبيه الركائز الذين أوصلوه إلى هذه المرحلة إلى حد كبير – ولم يجرِ أي تبديل حتى الدقيقة 71.
وبحلول ذلك الوقت، كان الوقت قد تأخر، حتى مع نزول يامال وتأثيره الواضح والفوري على مجريات اللعب.
وقد نال دي لا فوينتي قسطًا وافرًا من الانتقادات من وسائل الإعلام والجماهير الإسبانية عبر الإنترنت بسبب أداء الإثنين، وهناك حنين جارف يحمل طابع" النوستالجيا" للمدرب المساعد السابق بابلو آمو، الذي غادر الطاقم التدريبي في فبراير 2025، والذي يصفه الكثيرون بأنه كان العقل المدبر الحقيقي لمنتخب يورو 2024.
ومع ذلك، فإن آمو لن يعود، ويتعين على دي لا فوينتي أن يظهر مزيدًا من الحسم والقدرة على التكيف.
وفي واقع الأمر، يجب على التشكيلة بأكملها أن تركز بشكل أكبر؛ فقد استغرق الأمر من فرنسا شوطًا واحدًا من كرة القدم دون المستوى أمام السنغال لتغيير مسارها والبدء في اللعب بكامل إمكاناتها – ويتعين على إسبانيا حذو حذوها.
ويحتاج" لا روخا" إلى تحريك الكرة واللاعبين بشكل أسرع، ومزيد من التكيف مع ما يفعله الخصم (فالسعودية لن تلعب بأسلوب مفتوح ومتحرر بعد أن رأت ما نجح مع غيرها)، وأن يكون الفريق أكثر حسمًا وشراسة.
لم تسجل إسبانيا هدفًا في كأس العالم منذ هدف ألفارو موراتا في الخسارة (2-1) في دور المجموعات أمام اليابان عام 2022، وذلك على الرغم من إكمالها 2500 تمريرة وإطلاقها 49 تسديدة، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
واعترف المهاجم أويارزابال بعد المباراة بضرورة تعديل الأمور في بقية مشوار البطولة قائلًا: " يتعين علينا الحفاظ على هدوئنا، وأن نثق في أنفسنا وننظر في الأمور التي تحتاج إلى تصحيح؛ لأنني متأكد من وجود أشياء كثيرة يجب تصحيحها من هذه المباراة والمضي قدمًا".
وقال غافي لصحيفة" آس" الإسبانية، الخميس: " الرأس الأخضر ليس أضحوكة.
لم نكن بالجودة التي نتمناها، وكانت السرعة التي نقلنا بها الكرة بطيئة وكنا ثقيلين للغاية في تمريراتنا.
يمكننا تقديم أداء أفضل بكثير مما فعلنا".
وعاد المدافع مارك كوكورييا ليؤكد هذا الشعور، الخميس، في مقابلة مع صحيفة" إل موندو" الإسبانية: " لقد تعثرنا قليلاً، ولم نكن نفعل الشيء الصحيح دائمًا، كنا غير دقيقين بعض الشيء، وأمام هذه الفرق – عندما لا تبدأ بشكل جيد – تتعقد كل الأمور".
وأضاف: " لقد استحقنا هذا المستوى من الضغط (من الجماهير) لأننا كنا نقوم بالأشياء بشكل جيد للغاية في السنوات القليلة الماضية، لكننا نعرف المستوى الذي نمتلكه، ونعلم أننا لم نكن في أفضل حالاتنا".
وتابع: " الأمر الجيد هو أن هذا الإنذار حدث في المباراة الأولى من المجموعات، فلو حدث ذلك في الأدوار الإقصائية، لكنت خارج البطولة.
ولدينا الوقت لإصلاح ذلك.
من الأفضل أن ما حدث مع الرأس الأخضر قد وقع الآن، وخطوة بخطوة، سنتحسن".
ويُعد الفوز بالمباراتين المقبلتين وإنهاء المجموعة الثامنة في الصدارة أمرًا بالغ الأهمية، نظراً لأن احتلال المركز الثاني قد يعني مواجهة لا تخطر على بال في دور الـ32 أمام ليونيل ميسي والأرجنتين.
وصحيح أنه يتعين عليك الفوز على الأفضل لتكون الأفضل، لكن هذا الفريق سيرغب في بناء الزخم قبل مواجهة المرشحين الآخرين للبطولة.
وبطبيعة الحال، هناك من يقول إن النتيجة لم تكن سيئة للغاية ولا ينبغي الإفراط في تحليلها.
ولم يبدُ دي لا فوينتي منزعجًا للغاية من النتيجة، حيث قال: " نحن فريق نتمتع بموثوقية استثنائية؛ لم نخسر في 32 مباراة.
سنكون أفضل في المباراة القادمة بكل تأكيد.
نحن هادئون.
هذه بطولة طويلة، وفي أذهاننا لا تزال تتبقى سبع مباريات".
وقال الحارس الفائز بكأس العالم 2010، إيكر كاسياس عبر منصة" إكس"، تويتر سابقاً: " أعتقد أن (إسبانيا) لعبت بشكل جيد.
لقد كانت واحدة من تلك المباريات التي تحدث مرة واحدة من بين كل 10 مباريات.
أنا أفهم أن الناس لديهم شكوك، ولكن ليس هذا هو الحال.
اهدأوا".
وربما يكونون على حق؛ فالهيمنة الإحصائية كانت واضحة تمامًا في نهاية المطاف؛ إذ سددت إسبانيا 27 تسديدة منها سبع على المرمى، وبلغ معدل الأهداف المتوقعة أكثر من 2.
1.
وقدم حارس مرمى الرأس الأخضر، فوزينيا، مباراة العمر.
ولو سارت الظروف في مصلحة إسبانيا بلمسة أخيرة أكثر حسمًا أو بارتكاب مدافع الرأس الأخضر لخطأ ما، لكانت النتيجة مغايرة ولما دارت معظم هذه الأحاديث الحالية (بما في ذلك هذا التحليل).
بالإضافة إلى ذلك، بدا أن يامال – في الوقت المحدود الذي قضاه على أرض الملعب – كان قريبًا من أفضل مستوياته.
وتغيرت المباراة عندما دخل المستطيل الأخضر في الدقيقة 71، وبدأ" لا روخا" يبدو أكثر تهديدًا بشكل عام.
وإذا كان نجم برشلونة الصاعد في طريقه للوصول إلى ذروة لياقته البدنية وبدأ المباريات أساسيًا، فإن كل هذه الضوضاء قد تصبح بلا معنى.
من جانبه، نظر كوكورييا إلى النتيجة من منظور إيجابي.
وصرح لصحيفة" إل موندو" قائلًا: " أعتقد أن أفضل شيء يمكن أن يحدث لنا هو تلقي هذا الإنذار في البداية.
لأننا لو فزنا بالمباراة، لكنا نسينا الأمر وقلت: " حسنًا، لقد فزنا، كل شيء على ما يرام" ".
واختتم حديثه بالقول: " لكن مع هذا الإنذار، أدركنا أنه يتعين علينا أن نكون في أعلى مستوياتنا في كل مباراة، وأن الأمر لن يكون سهلاً على الإطلاق، وأننا سنضطر إلى التغلب على اللحظات الصعبة، وأن الشيء الأكثر أهمية هو أن نكون متحدين ونثبت حضورنا في كل مواجهة".
ومع ذلك، ورغم إيجابية التشكيلة، فقد أعادت المباراة ذكريات سيئة كثيرة إلى أذهان مشجعي إسبانيا في كل مكان، وذلك قبيل ما اعتقد الكثيرون أنه قد يكون فرصة ممتازة لنيل النجمة المونديالية الثانية للبلاد.
ويبقى أن نرى ما إذا كان" لا روخا" سيحصد نجمة أخرى أم سيسقط بشكل مدوٍ على الأرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك