الجزائر- “القدس العربي”: يرى عبد العالي حساني شريف رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر، أن الانتخابات التشريعية المنتظرة في 2 تموز/ يوليو المقبل، تشكل حالة استثنائية في تاريخ الانتخابات الجزائرية لعدة عوامل يتحدث عنها في هذا الحوار مع “القدس العربي”.
ورغم استبعاده لتحقيق حركته الفوز بالأغلبية في البرلمان المقبل، يؤكد حساني شريف أن “حمس” مستعدة لتوسيع قاعدة الحكم عبر ما يسميه بالشراكة السياسية، مبرزا أن حالة الإسلاميين في الجزائر تبقى مختلفة عن تجارب مماثلة في دول مثل مصر وتونس انتهت للصدام مع الدولة.
وكانت حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي المعتدل قد حققت المركز الثاني من حيث ترتيب الأحزاب في انتخابات 2021 وشكّلت أبرز قوة معارضة داخل البرلمان خلال العهدة التشريعية المنقضية.
– كيف تقيِّمون مرحلة الترشحات لتشريعيات 2026 والجدل الواسع الذي رافق تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات؟ ومدى تضرر حركة مجتمع السِّلم من هذه المادة؟لا شكَّ بأنَّ الظروف السِّياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تُنظَّم فيها هذه الانتخابات ألقت بظِلالها على حُسن سير عملية التحضير لها، ومنها: مرحلة الترشيحات، والتي عَرفت جدلاً دستوريًّا وقانونيًّا في مدى قدرة السُّلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على الإشراف على هذه الانتخابات، فقد شهدنا تعديلا دستوريا وتعديلا على القانون العضوي للانتخابات مسّ هذه السلطة من حيث صلاحياتها وميزانيتها وتشكيلتها، كرس عودة الإدارة للهيمنة الفعلية على العملية الانتخابية.
كما شهد التحضير لهذه الانتخابات تأخُّرًا في القانون المتعلق بالدوائر الانتخابية داخل الوطن وخارجه، وتأخُّرًا في تنصيب الهيئات المحلية للسُّلطة (المنسقين الولائيين والبلديين)، وكذا الارتباك والتأخُّر الذي شهدناه في تنصيبها على مستوى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج.
بالإضافة إلى ذلك هو غياب التوافق الوطني على القانون العضوي للانتخابات، وخاصة على بعض المواد المثيرة للجدل، وخاصة المادة 200 منه، والتي سبق للمحكمة الدستورية التحفُّظ عليها منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2021، والتي تمس في جوهرها بمبدأ قرينة البراءة، ومدى قدرتها على ضمان الحقوق الدستورية والسياسية للمترشحين، والتي تستند إلى قرارات إدارية في تلفيق “شبهة العلاقة مع المال السياسي الفاسد” لا ترقى إلى إثباتها دون أحكام قضائية نهائية، فالصياغة الحالية للمادة والإصرار على عدم تعديلها- والتي كانت للحركة تعديلات جوهرية عليها، وقد تمَّ رفضها من قِبَل الديكتاتورية العددية لتشكيلة البرلمان الحالي- فهي تفتقر إلى الدِّقة في التشريع، بما فتح الباب واسعا للتعسف في استعمالها كسيفٍ مسلط على المترشحين، وتوسيع دائرة الإقصاء بسببها.
وبغض النظر عن المتضرر منها، وحجم التعسف في استعمالها ضده، فهي مرفوضة من حيث المبدأ، وأن جميع المترشحين من كل القوائم الحزبية أو الحرة سواسية في الاعتراض عليها، إذ أنه هناك تساؤلات مشروعة عن مدى دستورية هذه المادة الفضفاضة، والتي يصعب تعريف هذه الشبهة قانونيا، وعن أركانها التي تقوم عليها، ومن يملك صلاحيات تحديدها، وهل تكفي هذه الشبهة للاعتداء على حق دستوري في الترشح، ولماذا لم يتم تحريك الدعوى العمومية مسبقا ضد أصحاب المال السياسي الفاسد أولا، ثم مَن له علاقة بهم ثانيا؟ ونحن أمام حالات من الإقصاء، أغلبهم كانوا نوابا ومنتخبين ومسؤولين ممارسين.
ومع حجم الإقصاءات المؤلمة التي تعرّض لها مترشحونا، فإننا نعتقد أن الحركة هي أقل الأحزاب تعرضا للإقصاء بسبب ذلك، مقارنة مع الأحزاب الممثلة في البرلمان والمجالس المنتخبة، ومع ذلك فإن هذه الإقصاءات مرفوضة من حيث المبدأ.
– بعد سنوات طويلة من المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، ما أبرز الاختلافات التي لاحظتموها في هذه الانتخابات؟ وهل ترون أنَّ الضمانات المتوفرة اليوم كافية لضمان نزاهة العملية الانتخابية، خاصة بعد التعديلات الأخيرة المتعلقة بالجوانب اللوجستية والتنظيمية؟تُعتبر هذه الانتخابات حالة استثنائية مقلقة، مقارنة مع غيرها من الاستحقاقات السابقة، ولم نشهد حالة من الارتباك والضعف والتعسف في تنظيمها مثل هذه المرة، وهو ما أثر على حجم الإقبال عليها والإيمان بالمشاركة فيها، فعندما نقوم بقراءة تحليلية مقارنة بين تشريعيات 2021 وهذه الانتخابات سنة 2026، فإننا نسجل تحوُّلا عميقا في بِنية المشهد السياسي والانتخابي في البلاد، تؤشر على طبيعة العلاقة بين المجتمع والسِّياسة، ومستوى الثقة في الفعل الانتخابي، وحجم الحيوية السياسية داخل المجتمع والدولة.
تشريعيات 2026 في الجزائر حالة استثنائية مقلقة.
وحمس هي أقل الأحزاب تضررا من المادة 200فبالرغم من ارتفاع الهيئة النَّاخبة بأكثر من 300 ألف ناخب جديد، والتخفيف في شروط الترشح، وفي تمثيل المرأة، وفي عدد التوقيعات، فقد تراجعت القوائم الحزبية من حوالي 1700 إلى 1200، والقوائم الحرَّة من أكثر من 2800 إلى حوالي 275، وهو ما يعني انخفاضًا حادا يصل إلى أكثر من الثلثين، كما تراجع ترشح المرأة من حوالي 8300 مترشحة إلى أكثر من 5300، والشباب من حوالي 13000 إلى أكثر من 5300، وهو تراجعٌ مخيف في المشاركة السياسية لهاتين الفئتين.
وقد يؤدي حجم الإقصاءات والمبرِّرات التي تمَّت بها إلى الشعور بالمزيد من الإحباط واليأس من التغيير عبر هذا الإطار الدستوري والقانوني والسِّلمي والحضاري، وهو الانتخابات، وأنَّ ما يزيد من القلق هو عدم إحساس السلطة السِّياسية في البلاد بخطر العزوف السياسي والمقاطعة الانتخابية، إذ لم تعد نسبة المشاركة في الانتخابات تعنيها في مدى شرعية مؤسسات الدولة، ومدى مشروعية أداءاتها في المستقبل.
ونعتقد أنه مهما كانت الضَّمانات الدستورية والقانونية قوية من الناحية النظرية المجردة، فإن نزاهة الانتخابات وحجم المصداقية التي يُفترض فيها مرتبطٌ بالإرادة السِّياسية العليا في البلاد، والتي تجسدها مؤسسات الدولة في الالتزام بالحياد والنزاهة والشفافية وضمان تكافؤ الفرص بين القوائم والمترشحين، واحترام الإرادة الحقيقية للشعب في نتائج الانتخابات.
– ما هي أبرز معالم البرنامج الانتخابي لحركة مجتمع السِّلم؟ وما الأولويات التي ستسعون إلى تجسيدها داخل البرلمان المقبل؟تنطلق الحركة في رؤيتها السياسية بأنَّه لا يمكن اختزال الجزائر في كيانٍ سياسي وبُعدٍ جغرافي، فهي امتداد حضاري وعمق تاريخي ضارب في جذور مسيرتها الخالدة، والتي تقوم على ثوابت جامعة تشكل أساس مشروعها الوطني.
وعليه فإن برنامجنا الانتخابي لهذه التشريعيات يرتكز أساسا على ثلاثة توجهات وطنية مترابطة، وهي أولا تعزيز الثقة من خلال تجسيد معايير الحكم الراشد، وتعزيز الحريات والمسؤولية، وتكريس العدالة والشفافية والمساءلة، وإعادة الاعتبار للمؤسَّسات المنتخبة.
وثانيا تثبيت السِّيادة الوطنية بمفهومها الشَّامل، كالأمن القومي الشامل، وتحصين الهوية الوطنية الجامعة، وصيانة القرار الوطني المستقل، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقوي، وحماية السيادة الرقمية والتكنولوجية، وتقوية مناعة مؤسسات الدولة.
وثالثا، تحقيق الإقلاع الحضاري ببناء دولة صاعدة لامتلاك الجزائر كلَّ مقوِّمات الإقلاع، وذلك عبر: الاستثمار في الإنسان، وبناء الاقتصاد المنتج القائم على المعرفة والابتكار، وتشجيع الاستثمار وخلق بيئة أعمال جاذبة له، وتطوير التعليم وربطه بالتنمية الشاملة، وتحقيق التنمية العادلة والمتوازنة بين مختلف جهات الوطن.
وقد رفعنا في برنامجنا الانتخابي شعار: “ثقة”، لأنَّ الثقة أساس الاستقرار، والمدخل إلى المشاركة السياسية الواسعة، ومرتكز الإصلاح الحقيقي، وشرط التنمية الفعلية، وروح العلاقة بين المجتمع والدولة، والحبل المتين بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويرتكز البرنامج الانتخابي للحركة على أولويات وطنية كبرى، تلتزم فيها الحركة بفعالية مؤسسات الدولة، وترسيخ معايير الحكم الراشد، وتفعيل الرقابة البرلمانية، وتقييم وتقويم السِّياسات العمومية، ورقمنة الإدارة والذهاب الفعلي إلى الحكومة الالكترونية، ودعم الاستقرار التشريعي والمؤسساتي، وتوسيع قاعدة الحكم، وتعزيز قيم المواطنة والتمتع الكامل بالحريات السياسية والأساسية.
ويتلخص البرنامج الانتخابي في ثلاث ركائز استراتيجية أساسية، تتفرع عنها عشرة محاور تفصيلية، تضم في مجملها 80 التزاما تنفيذيا، مصحوبا بإجراءات عملية وآثارٍ متوقعة قابلة للقياس والمتابعة.
الركيزة الأولى هي السِّيادة المؤسساتية، والتي تقوم على حكومة سياسية، ومؤسسات قوية تكفل الحريات وتضمن المحاسبة، وبرلمان تمثيلي يكرس الشفافية ويعزز المشاركة والمواطنة، ومنظومة خدمية عصرية تضمن الرفاه والكرامة.
أما الثانية فهي سيادة اقتصادية وطنية آمنة، عبر اقتصادٍ منتج، واستقرار يعزز الثقة، وإدارة رشيدة للمالية العمومية، وأمنٍ شاملٍ ومستدام.
والثالثة هي السِّيادة المجتمعية (بناء الإنسان وتعزيز التماسك الاجتماعي): وذلك بإنسان معتز بهويته وصانع لنهضة وطنه، وعدالة اجتماعية تصون كرامة المواطن، وتمكين الشباب كاستثمار في المستقبل، مع الانسجام المجتمعي.
– هل تطمحون إلى الفوز بالأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة، أم أنَّ موازين القوى السياسية الحالية تجعل هذا الهدف بعيد المنال؟من الطبيعي أنَّ يكون لأي حزبٍ سياسي يحترم نفسه طموحًا انتخابيًّا بسقف سياسي عال، وفي ظل النظام الدستوري الحالي للبلاد، فإنه يُتيح للمعارضة (سواء كانت حزبًا أو تحالفا انتخابيا) يتحصَّل على الأغلبية البرلمانية أن يشكل الحكومة وفق برنامجها الانتخابي الذي زكَّاه الشَّعب في الانتخابات التشريعية، ومع ذلك فإنه هناك عدَّة اعتبارات ذاتية وموضوعية تجعل ذلك مستبعدا من النَّاحية العملية، وعليه فإنَّ الحركة ستكون متفتِّحةً على كل الخيارات السياسية التي تُتيحها نتائج الانتخابات، وأنَّ يدها ممدودةً لتوسيع قاعدة الحكم عبر الشّراكة السياسية.
– في ضوء تجاربكم السابقة، هل ما زلتم تعتقدون أن البرلمان يمكن أن يلعب دورا في التغيير والإصلاح؟ أم أن الواقع لا يزال يكرسه كغرفة تسجيل قوانين للحكومة؟مع تأكيدنا على خيارنا التاريخي بترجيحنا للنظام البرلماني، وخاصة أننا جربنا كل أنواع الأنظمة الدستورية، وما آلت إليه حصيلة نظام الحكم بها، ومع أن المشكلة الحقيقية ليست في طبيعة النظام السياسي، فقد يكون رئاسيا أو شبه رئاسي ويكون ديمقراطيا وناجحًا في التنمية، وقد يكون النظام برلمانيا ولا يكون بالضرورة ديمقراطيا ناجحا، ومع ذلك فإن الدستور الحالي- وبقدر ما ينصُّ نظريا على صلاحيات رقابية وتشريعية للبرلمان، فإنه يحد منها من النَّاحية العملية، بسبب بعض الآليات في العلاقة بين الحكومة والبرلمان بغرفتيه، مما يُضعف مركزه الدستوري أمام باقي مؤسَّسات الدولة، وتجعله الحلقة الأضعف منها.
ومع كل هذه الملاحظات عن أداء البرلمان في عُهده السابقة، فإن المشكلة تكمن كذلك في أغلبيته التي يتشكل منها، ومدى تمتعها بالسيادة في التشريع، والاستقلالية في ممارسة الرقابة على عمل الحكومة.
– في ضوء تجارب محيطة في مصر وتونس ومحيط دولي ضاغط.
هل ما يزال لدى التيار الإسلامي أمل في الوصول إلى السلطة في الجزائر؟تبقى للجزائر خصوصيتها التاريخية والسياسية والانتخابية في استيعاب كل مكوناتها المجتمعية ومدارسها السياسية، ولا يمكن قياس تجربة الإسلاميين فيها مع باقي الدول الأخرى، وأنَّ الطموح بالوصول إلى السلطة ديمقراطيا طبيعيا وفق الإرادة الشَّعبية، وأنه يبقى طموحا مشروعا وممكنا، إذ الأصل في الديمقراطية هو التعددية الحزبية، وضمان التنافس الشريف، واحترام نتائج الانتخابات، وهو ما يفرض احترام الإرادة الشَّعبية فيمن يصل إلى الحكم ديمقراطيا، وإلا فإنه سيقع تصادم مع البُعد الديمقراطي للدولة الجزائرية وفق بيان أول نوفمبر، والذي ينص على: “دولة ديمقراطية، اجتماعية، ذات السيادة، ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وبالتالي فإن المعترِض على وصول الإسلاميين إلى الحكم ديمقراطيًّا هو في حالةٍ مُصادِمةٍ لبيان أوَّل نوفمبر (بيان انطلاق الثورة الجزائرية سنة 1954) وللقيم السِّياسية التي تؤمن بها كلُّ الإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك