لم يعد حضور المؤسسات الإخبارية على المنصات الرقمية يقتصر على نشر الروابط وانتظار الزيارات، إذ تدفع التحولات في سلوك الجمهور، وتطور محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، الناشرين إلى بناء علاقة أكثر تفاعلا مع المجتمعات الرقمية.
وتبرز منصة ريديت (Reddit) بوصفها نموذجا مختلفا عن شبكات التواصل التقليدية، بعدما سجلت النقاشات المرتبطة بالأخبار عليها نحو 55 مليار مشاهدة خلال العام الماضي، وأصبحت محتوياتها من بين المصادر الأكثر استشهادا في الإجابات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي مقال نشرته الرابطة العالمية لناشري الأخبار وان إيفرا (WAN-IFRA)، استعرض الكاتب أولترين فيجاي (Aultrin Vijay) الفرص التي توفرها المنصة للمؤسسات الصحفية، مستندا إلى عرض قدمه مسؤول شراكات الأخبار ونمط الحياة في ريديت بالولايات المتحدة، غابرييل ساندز (Gabriel Sands)، خلال المؤتمر العالمي للإعلام الإخباري في مدينة مرسيليا الفرنسية.
ويرى ساندز أن كثيرا من المؤسسات الإعلامية لا تزال تتعامل مع ريديت بطريقة غير صحيحة، إذ تنظر إليها بوصفها قناة إضافية لترويج المحتوى، بينما يتطلب النجاح عليها الانتقال من عقلية الترويج إلى المشاركة في النقاشات والتفاعل مع المجتمعات.
منصة للمجتمعات لا للمتابعينتختلف بنية ريديت عن المنصات التي تقوم على شبكات الأصدقاء أو عدد المتابعين، إذ تنظم حول مجتمعات متخصصة يديرها مشرفون متطوعون، يضعون قواعد كل مجتمع ويتولون تطبيقها.
وبحسب ساندز، يدير أكثر من 100 ألف مشرف متطوع هذه المجتمعات، التي تغطي موضوعات تمتد من السياسة والأخبار المحلية إلى التكنولوجيا والصحة والترفيه.
ويشارك المستخدمون عادة بأسماء مستعارة، بدلا من هوياتهم الحقيقية، وهو ما يتيح مساحة لنقاشات وتجارب قد لا تظهر على منصات أخرى ترتبط فيها المشاركات بالصورة العامة للمستخدم أو شبكة علاقاته الواقعية.
ولا تشكل الأخبار السبب الوحيد لزيارة ريديت، لكنها تمثل جزءا مهما من نشاط المنصة؛ إذ لا يكتفي المستخدمون بقراءة الروابط الإخبارية، بل يناقشونها ويضيفون تجاربهم وآراءهم إلى ما وراء العناوين.
وأوضح ساندز أن الناس يأتون إلى ريديت بحثا عن وجهات النظر البشرية خلف الأخبار، سواء للمشاركة في النقاشات أو قراءة الحوارات التي يجريها مستخدمون آخرون.
وبذلك لا تقاس قيمة المادة المنشورة فقط بعدد النقرات التي تجذبها، بل بقدرتها على إطلاق نقاش يقدم سياقا إضافيا أو يربط الخبر بتجارب الجمهور واهتماماته.
لماذا تعتمد محركات الذكاء الاصطناعي على ريديت؟يكتسب حضور ريديت أهمية إضافية مع تصاعد استخدام أدوات البحث والإجابة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إذ أظهرت تحليلات في قطاع التكنولوجيا أن المنصة أصبحت من أكثر المصادر استشهادا في إجابات أنظمة مثل غوغل إيه آي أوفرفيوز (Google AI Overviews)، وبيربليكسيتي (Perplexity)، وشات جي بي تي (ChatGPT).
وقال ساندز إن المنصة لا تعرف على وجه الدقة سبب حضورها الكثيف في إجابات النماذج اللغوية الكبيرة، لكنه رجح أن يكون الطابع البشري للمحتوى عاملا رئيسيا في ذلك.
فالمحتوى على ريديت ينتجه المستخدمون، ويراجعه مشرفون من البشر، ثم يصعد أو يتراجع بناء على تصويت أفراد المجتمع، من خلال منح المشاركات والتعليقات أصواتا إيجابية أو سلبية.
ويؤدي التصويت دورا أكبر في ترتيب المحتوى مقارنة بالخوارزميات المغلقة التي تتحكم في الظهور على منصات أخرى.
ويجعل هذا النظام ريديت مصدرا غنيا بالتجارب والأسئلة والأجوبة والتقييمات البشرية، وهي مواد تبحث عنها أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقديم إجابات لا تعتمد على المعلومات الرسمية فقط، بل تشمل خبرات المستخدمين ومواقفهم.
لكن هذه المكانة تفتح أمام المؤسسات الصحفية سؤالا جديدا: كيف يمكن ضمان حضور الصحافة المهنية داخل النقاشات التي أصبحت تغذي محركات البحث الجديدة؟أدوات لقياس الحضور والاستماع إلى الجمهورتقدم المنصة للناشرين مجموعة مجانية من الأدوات تحت اسم ريديت برو (Reddit Pro)، تساعد المؤسسات على قياس أداء محتواها، وفهم المجتمعات ذات الصلة، ورصد فرص النمو.
ولا تعمل الأداة بوصفها لوحة لتحليل الزيارات فقط، بل توفر إمكانات للاستماع الاجتماعي، عبر تتبع الكلمات المفتاحية وتحليل النقاشات المتعلقة بالمؤسسة أو موضوعاتها أو منافسيها.
ويمكن للناشر إنشاء خلاصات تظهر المحادثات التي تتضمن إشارات مرتبطة بسياق معين، وهو ما يساعده على اكتشاف المجتمعات التي تناقش مجالات تغطيته، أو تتداول تحقيقاته وتقاريره.
ولفت ساندز إلى أن نسبة مهمة من زيارات المؤسسات الإخبارية القادمة من ريديت لا تنتج عن الروابط التي تنشرها المؤسسات بنفسها، بل عن المواد التي يشاركها المستخدمون بصورة عضوية.
كما تعرض أداة الروابط عدد الروابط التابعة لنطاق المؤسسة التي جرت مشاركتها، وعدد المنشورات التي تضمنت تلك الروابط، والمجتمعات التي ظهرت فيها.
وباتت الأداة تقدم توصيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تقترح على المؤسسات مجتمعات إضافية يمكنها متابعتها أو المشاركة فيها.
المشاركة أهم من نشر الروابطلا يقدم ريديت دليلا موحدا يصلح لجميع الناشرين، لأن كل مجتمع داخل المنصة يمتلك جمهورا وقواعد وثقافة مختلفة.
وقد تبدأ إستراتيجية المؤسسة بوضع محتواها في المجتمعات المناسبة، لكن نشر الرابط وحده لا يكفي.
ويشدد ساندز على أهمية حضور الصحفيين والناشرين في قسم التعليقات، إذ يمكن للمؤسسة، بعد مشاركة تقرير، أن تقدم معلومات إضافية عن طريقة إعداده، أو تجيب عن أسئلة المستخدمين، أو توضح جوانب لم يتسع لها النص المنشور.
ويمنح هذا التفاعل الناشر فرصة لبناء الثقة، لكنه يجعله في الوقت نفسه عرضة لملاحظات الجمهور وانتقاداته بصورة مباشرة، خاصة عندما تبدو مشاركة المؤسسة دعائية أو لا تحترم قواعد المجتمع.
من التفاعل إلى جمع الأخبارلا تقتصر الفرص المتاحة للصحفيين على توزيع المحتوى، إذ يمكن استخدام المجتمعات في رصد القضايا والاتجاهات وجمع الأخبار، خاصة عندما يخصص الصحفي وقتا لفهم المجتمع وبناء علاقة مع أعضائه.
كما يمكن للمؤسسات تنظيم جلسات اسألني أي شيء (Ask Me Anything – AMA)، التي تتيح للصحفيين أو الخبراء الإجابة مباشرة عن أسئلة المستخدمين بشأن تحقيق أو قضية عامة.
ولا تنتهي قيمة هذه الجلسات داخل المنصة، إذ تستطيع المؤسسة تحويل الأسئلة والأجوبة والنقاشات الناتجة عنها إلى مواد صحفية جديدة.
وأشار المقال إلى أن مؤسسات أمريكية، من بينها إم لايف (MLive) وكليفلاند دوت كوم (Cleveland.
com)، حققت نموا متواصلا في الزيارات المحالة من ريديت، واكتشفت مجتمعات جديدة لتوسيع جمهورها، كما طورت إستراتيجياتها استنادا إلى بيانات الأداء.
الصحافة المهنية وقود للنقاشرغم اعتماد ريديت على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، أكد ساندز أن الصحافة المهنية تؤدي دورا مركزيا في نظام المنصة، إذ تشكل التقارير المنتجة وفق معايير صحفية نقطة انطلاق لكثير من النقاشات.
فالمستخدمون لا يبحثون فقط عن روابط، بل عن السياق والمعلومات الموثوقة ووجهات النظر المستندة إلى معرفة، وهي قيمة تستطيع المؤسسات الصحفية تقديمها بصورة لا توفرها المشاركات الفردية وحدها.
وتكشف تجربة ريديت أن العلاقة بين المنصات والصحافة لم تعد تقوم فقط على معادلة الناشر الذي ينتج المحتوى والمنصة التي توزعه، بل على ما وصفه ساندز بأنه زواج بين المحتوى والمجتمع.
وفي ظل صعود البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، قد تصبح المجتمعات التي تدور حول الأخبار جزءا أساسيا من الطريقة التي يعثر بها الجمهور على المعلومات ويفسرها.
ومن ثم، فإن غياب المؤسسات الصحفية عن هذه المساحات لا يعني فقط خسارة بعض الزيارات، بل ترك النقاشات التي تشكل صورة الأخبار لدى الجمهور ومحركات البحث من دون حضور مهني فاعل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك