لم يعُد اللجوء إلى" سلاح" فرض رسوم جمركية حدثاً استثنائياً في الاقتصاد العالمي منذ سنوات، خاصة مع الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل أصبح جزءاً من أدوات إدارة التوازنات التجارية بين الدول.
لكن القرار الذي اتخذته كندا الأخير مساء الجمعة، بفرض رسم 10% لمدة 200 يوم على واردات الخضار المعلبة يذهب أبعد من مجرّد حماية قطاع زراعي محلي، ليكشف عن اتجاه أعمق يتمثل في إعادة تشكيل التجارة وفق منطق انتقائي تحكمه الاتفاقات والتحالفات أكثر مما تحكمه قواعد السوق المفتوحة.
في الشكل، بدا قرار فرض رسوم جديدة إجراءً دفاعياً مشروعاً، إذ تستند كندا إلى قواعد منظمة التجارة العالمية التي تسمح بفرض" إجراءات وقائية" عند ارتفاع الواردات بما يهدد المنتجين المحليين.
بيد أن التفاصيل تكشف أن المسألة ليست تقنية فقط، بل سياسية وتجارية بامتياز، خصوصاً مع استثناء الولايات المتحدة والمكسيك وإسرائيل وتشيلي والدول النامية من الرسم الجديد.
القرار الذي اتخذته كندا بفرض رسم 10% لمدة 200 يوم على واردات الخضار المعلبة يذهب أبعد من مجرّد حماية قطاع زراعي محليفهذا الاستثناء ليس تفصيلاً هامشياً.
إذ بحسب بيانات هيئة الإحصاء الكندية لعام 2025 (Statistics Canada)، تشكل الولايات المتحدة وحدها بين 60% و75% من واردات كندا من الأغذية المصنعة والخضار المعلبة، بما يجعل إعفاءها عاملاً حاسماً في تقليل أي أثر اقتصادي مباشر للقرار في السوق المحلية.
أما الصين فتأتي في المرتبة الثانية ضمن أهم المورّدين غير المشمولين بالاتفاقات التجارية الحرة، بحصّة بين 10% و20% من واردات الخضار المصنعة وفق تقديرات قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة (UN Comtrade Database, 2024)، ما يضعها عملياً في موقع المتأثر الأكبر من هذا النوع من الإجراءات.
من هنا، يمكن قراءة القرار الكندي بفرض رسوم جديدة ليس فقط بوصفه حماية للسوق المحلية، بل إعادة توزيع مقنّنة للأعباء التجارية.
فالاتحاد الأوروبي، الذي يساهم بما بين 5% إلى 12% من واردات كندا في هذه الفئة، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي لعام 2024 (Eurostat Trade Statistics)، يواجه بدوره تأثيراً غير مباشر، وإن كان أقل حدة مقارنة بالدول الآسيوية المصدّرة مثل تايلاند وفيتنام والهند، التي تتقاسم مجتمعة نحو 5% إلى 10% من السوق الكندية بحسب مركز التجارة الدولية لعام 2024 (International Trade Centre).
وهذه الأرقام لا تعكس مجرّد نسب تجارية، بل تكشف عن نمط أعمق مفاده أن السوق الكندية ليست مفتوحة بشكل متساوٍ للجميع، بل تخضع لتدرجات واضحة في النفاذ، حيث تتمتع الدول المرتبطة باتفاقات تجارة حرة أو تصنيفات تفضيلية بحماية كاملة من الإجراءات الجديدة، بينما تُترك دول أخرى لمواجهة أدوات الحماية التقليدية.
وهنا تحديداً تظهر الإشكالية الجوهرية.
فبينما تُقدَّم هذه الإجراءات على أنها أدوات" وقائية" مؤقتة لحماية المنتج المحلي، يوحي استخدامها المتكرّر في الاقتصادات الكبرى بأن العالم أمام تحوّل تدريجي في طبيعة النظام التجاري العالمي.
الصين الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة.
فحتى من دون استهداف مباشر معلن، تجعلها حصتها البالغة حتى 20% من واردات الخضار المعلبة الكندية، عرضة تلقائياً لأي تعديل في السياسات الحمائيةوهذا التحوّل ليس كندياً حصراً.
فقد سبق أن استخدم الاتحاد الأوروبي أدوات مشابهة ضد واردات زراعية آسيوية، بينما رفعت الولايات المتحدة مستويات الرسوم في قطاعات استراتيجية عدة، بذريعة" الأمن الاقتصادي".
والنتيجة هي تآكل تدريجي لفكرة التجارة الحرة بوصفها نظاماً موحداً، لصالح نموذج أكثر تعقيداً يقوم على الانتقائية وإدارة المخاطر بدل الانفتاح الشامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك