وقالت" يديعوت أحرونوت" إن الحكومة المصرية احتفلت هذا الأسبوع بما وصفته وسائل الإعلام الحكومية بأنه إنجاز تاريخي في رحلة البلاد نحو استقلال الطاقة، حيث وقعت القاهرة في منتدى أفريقيا للطاقة في كيب تاون أكبر اتفاقية توريد طاقة شمسية منفردة في تاريخ القارة الأفريقية.
وأضافت الصحيفة العبرية أن هذا المشروع الطموح يتضمن بناء مجمع شمسي ضخم في محافظة المنيا، وهو مشروع مصمم لتزويد حوالي مليون منزل بالكهرباء مع القضاء نظريا على أكثر من مليون طن من انبعاثات الكربون سنويا، حيث سارع المسؤول الحكوميون والمعلقون فوراً إلى الترحيب بالعقد كدليل قاطع على أن مصر تتفوق بسرعة على نظيراتها الإقليمية في الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر.
وأشارت إلى أن ما أغفلته البيانات الصحفية الرسمية عمداً هو واقع جيوسياسي أكثر إزعاجاً، وهو أن السبب الوحيد وراء استمرار عمل الثلاجات المنزلية والمصانع الصناعية وأجهزة التنفس في المستشفيات في جميع أنحاء مصر هذا الشهر هو استراتيجية طوارئ متعددة المليارات الدولارات لاقتناء الوقود، والتي تعتمد بشكل كبير على خط أنابيب غاز طبيعي ينطلق من إسرائيل، وهو ممر طاقة كاد ينهار تحت الضغوط الاستراتيجية للحرب الإقليمية قبل عدة أشهر فقط.
وقالت الصحيفة العبرية إن واقع الوضع واضح وهو: مصر لا تقوم بقطع نظيف من الوقود الأحفوري لصالح الطاقة الشمسية، بل إن القاهرة توقع عقوداً للطاقة الشمسية بيد واحدة بينما تعتمد على خطوط حياة طاقوية إسرائيلية حيوية باليد الأخرى.
وأضافت الصحيفة العبرية أن البيانات الصادرة عن حفل التوقيع في كيب تاون تبدو كبيرة بلا شك على الورق، حيث التزمت شركة صينية بارزة لتصنيع تكنولوجيا الطاقة الشمسية حصلت على تصنيف من الدرجة الأولى من وود ماكنزي بتزويد وحداتها عالية الكفاءة لمشروع نفر المنيا الواقع في الصحراء المصرية، وسيتم إقران هذا المنشأ الواسع بمئات الميغاواط ساعة من تخزين البطاريات المتقدم، الممول بشكل كبير من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير.
وأشارت إلى أن هذا المشروع يأتي بعد وقت قصير من سابقه الأصغر في أسوان، الذي يسير بالفعل على المسار الصحيح لتحقيق الاتصال بالشبكة بحلول نهاية هذا العام الميلادي، ومعاً تقرب هذه المبادرات المطورين بشكل كبير من إنشاء عشرة غيغاواط من قدرة الطاقة النظيفة في جميع أنحاء القارة الأفريقية خلال العقد المقبل.
وقالت الصحيفة إنه بالنسبة لمراقب عابر أو مستثمر أجنبي ينظر إلى الميزانية العمومية، تبدو مصر دولة متقدمة تفكر في المستقبل وتحل عجزها الهيكلي في الطاقة من خلال تسخير أصل تمتلكه بوفرة لا نهائية، وهو ضوء الشمس الصحراوي، وبالتالي فإن المؤسسات المالية الدولية تعامل بشكل متزايد تضاريس شمال أفريقيا كضمان بنكي متميز بدلاً من الأراضي القاحلة الشاغرة.
وأضافت الصحيفة العبرية أنه عند تجريد اللغة الاحتفالية للعلاقات العامة للشركات، يكشف الماضي القريب عن سردية أكثر تقلباً بكثير لا يمكن لمصفوفات الطاقة الشمسية وحدها حلها لأن القضايا الأساسية تتطلب مصادر طاقة أساسية لا يمكن للغاز توفيرها بفعالية إلا هو.
وأشارت إلى أنه خلال أشهر الصيف الحارقة في السنوات الأخيرة، اضطرت الحكومة في القاهرة إلى تطبيق بروتوكولات إلزامية لتقنين الأحمال على مستوى البلاد، مما أسفر عن انقطاع التيار الكهربائي المتداول الذي قطع الوصول الكهربائي لعدة ساعات يومياً في العاصمة، ولوقت أطول حتى في مدن الصعيد حيث تطفو درجات الحرارة المحيطة في كثير من الأحيان حول 50 درجة مئوية.
وقالت الصحيفة إن التكاليف البشرية والاقتصادية لهذه الإخفاقات في الشبكة كانت مدمرة، حيث فقد المواطنون حياتهم بعد أن علقوا في مصاعد غير مهواة خلال ساعات الذروة الحرارية، وفقدت أبراج البث الخلوي الطاقة بشكل روتيني، مما عزل فجأة أحياء بلدية كاملة عن شبكات الاتصالات المتنقلة لساعات في كل مرة، كما فقدت المخابز المحلية أفرانها التجارية في منتصف الخبز، وأغلق بائعو الفلافل التقليديون الذين يعتمدون كلياً على الطواحين الكهربائية لتحضير طعامهم عملياتهم ببساطة.
وأضافت الصحيفة العبرية أن السبب الكامن وراء هذا الانهيار المنهجي لم يكن عجزاً مفاجئاً عن ضوء الشمس، بل كان الانخفاض الكارثي في إنتاج الغاز الطبيعي المحلي في مصر، الذي كان في دوامة هبوط مستمرة.
وأشارت إلى أنه إلى جانب النقص المادي كانت هناك أزمة مالية شديدة، حيث تراجعت الحكومة المصرية بعمق في متأخرات مالية متعددة المليارات الدولارات مستحقة لشركائها الدوليين في الحفر، مما أوقف فعلياً جميع العمليات وترك الشبكة المحلية بأكملها عاجزة بدون آليات دعم الوقود الأجنبي.
وقالت الصحيفة إن وزارة البترول المصرية هذا الصيف أكدت بثقة للجمهور أن عصر انقطاع التيار الكهربائي المتداول انتهى رسمياً، ولأول مرة في الذاكرة الحديثة، هذا الوعد السياسي مدعوم ببنية تحتية مادية ملموسة، حيث تم وضع أربع وحدات تخزين عائمة رئيسية لإعادة التغويز بشكل استراتيجي في موانئ العين السخنة ودمياط.
وأضافت الصحيفة العبرية أن هذه السفن المتخصصة تزود الشبكة الكهربائية الوطنية بقدرة هائلة جديدة لاستيراد الوقود بحراً، علاوة على ذلك، سددت الدولة أخيراً جزءاً كبيراً من المتأخرات المالية المستحقة لشركائها الدوليين في الاستكشاف، ومع ذلك فإن سعر التكلفة المالية لهذا الاستقرار قصير الأجل مرتفع بشكل استثنائي، وهو يؤكد تحولاً هيكلياً عميقاً.
وأشارت إلى أن مصر لم تستورد عملياً أي غاز طبيعي مسال قبل بضع سنوات، في المقابل استوردت البلاد كميات قياسية مؤخراً، والغاز المستورد يشكل الآن ما يقرب من ثلاثة أرباع الحجم الكامل للغاز الطبيعي الذي تحصل عليه مصر من الأسواق الخارجية.
وقالت الصحيفة إن هذا يقودنا إلى الواقع الاستراتيجي الأساسي الذي يتردد صانعو السياسات في القاهرة في الاعتراف به علناً، ولكن الذي يبقى واضحاً بشكل صارخ لإسرائيل: نسبة هائلة من خط الأساس الطاقي في مصر مرتبطة مباشرة بحقول الغاز الإسرائيلية.
وأضافت الصحيفة العبرية أن هذا الواقع يثبت أن إسرائيل تعمل كمرساة لا غنى عنها لأمن الطاقة الإقليمي واستقرار الشبكة في هذه المنطقة الحرجة، مما يحمي جارتها من الفشل الهيكلي الفوري خلال أوقات مستويات الضغط التشغيلي العالية.
وأشارت إلى أن هذا الضعف العميق أصبح واقعاً هيكلياً في الربيع الماضي، عندما انخفضت تسليمات خط الأنابيب من الغاز الإسرائيلي بنحو 80 في المئة في شهر واحد، وقد حدث هذا الانخفاض المفاجئ بسبب تصعيدات أمنية إقليمية مكثفة ناتجة عن المواجهة الأوسع مع إيران، مما أجبر على تعليق إنتاج مؤقت واحترازي في المنصات البحرية.
وقالت الصحيفة عندما تعرضت البنية التحتية المتصلة بإسرائيل لصدمة مؤقتة، عانى الإطار المعماري الكامل لخطة أمن الطاقة الصيفية في مصر من أزمة متزامنة، وهذا الاعتماد ليس ملاحظة إحصائية ثانوية، بل هو المحور المركزي الذي تتوازن عليه شبكة الدولة المصرية بأكملها.
وأضافت الصحيفة العبرية أن بالنسبة لواشنطن والقيادة الغربية، يمثل هذا الضعف المنهجي فرصة استراتيجية واضحة لحماية خط الأنابيب واستقرار المنطقة، فالمشاريع الخضراء تبدو مثيرة للإعجاب على الورق، لكن مستقبل الطاقة الشمسية لا يزال مضموناً بالكامل بوفرة الموارد الإسرائيلية والمرونة الاستراتيجية، مما يثبت أن الاستقرار الحقيقي يعتمد على شراكات إقليمية قوية مع إسرائيل بدلاً من العروض البصرية لتطوير الطاقة الشمسية.
وأشارت إلى أن المؤسسات المالية الغربية يجب أن تتوقف عن معاملة هذه الخطوط كعناصر تجارية بسيطة، فهي شرايين حيوية للسلام الإقليمي، ومضيّاً قدماً، يجب على مصر أن تدرك أن أضواءها تبقى مضاءة بسبب الموارد الطبيعية الإسرائيلية، مما يؤسس لواقع أوسع وهو أن التعاون هو الاستراتيجية الوحيدة المستدامة للشرق الأوسط، بينما تعمل مشاريع الطاقة النظيفة كتعليق ثانوي وتحسينات تجميلية لإخفاء الحقائق المنهجية العميقة التي تربط القاهرة بجارتها إلى أجل غير مسمى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك