تتواصل الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري منذ سقوط نظام الأسد المخلوع، وسط توغلات متكررة داخل القرى الحدودية وفرض قيود متزايدة على حركة السكان، بالتزامن مع تنفيذ عمليات اختطاف طالت عشرات المدنيين من أبناء محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي.
وبينما عاد بعض المختطفين إلى منازلهم بعد أيام أو أسابيع أو أشهر من الاحتجاز، لا تزال عائلات أخرى تجهل مصير أبنائها، في ظل مطالبات متواصلة للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتدخل للكشف عن أماكن احتجازهم والعمل على الإفراج عنهم.
" غوانتانامو إسرائيل".
سوريون من القنيطرة داخل" سدي تيمان"كشف أبو كنان السيد، وهو من أبناء محافظة القنيطرة، لموقع تلفزيون سوريا، أنه اعتُقل مع شقيقه وابن شقيقه وابنه في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، على أطراف بلدة خان أرنبة، قبل أن يُنقلوا بدايةً إلى قاعدة عسكرية في قرية الحميدية، ثم إلى داخل الأراضي المحتلة.
وبحسب الشهادة، مكث أبو كنان ومن معه نحو 65 يوماً في الاحتجاز قبل الإفراج عنهم في 19 كانون الثاني/يناير 2026، مشيراً إلى أنه فوجئ بوجود قرابة 45 سورياً داخل سجن" سدي تيمان" في صحراء النقب.
ويقع" سدي تيمان" داخل قاعدة عسكرية على بعد نحو 30 كيلومتراً من قطاع غزة، وهو المكان المعروف إعلامياً باسم" غوانتانامو إسرائيل"، في إشارة إلى سمعته القاسية وما يحيط به من اتهامات بانتهاكات بحق المعتقلين.
وأنشأ الجيش الإسرائيلي هذا السجن بعد بداية عدوانه على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ونقل إليه العديد ممن اعتقلهم، بينهم سوريون ولبنانيون وفلسطينيون، منهم أطفال وشباب وكبار في السن.
ولفت أبو كنان إلى عدم توجيه تهمة واضحة إليه، وأن احتجازه استند إلى" تقارير كيدية" قدمها أشخاص من أبناء المنطقة قال إنهم يتعاملون مع الاحتلال الإسرائيلي، مضيفاً أن التحقيقات انتهت إلى عدم ثبوت أي شيء بحقهم.
وتابع: " كانوا يضعون أي معتقل منذ اليوم الأول في الحبس الانفرادي حتى موعد التحقيق، ثم ينقلونه إلى المهجع الخاص بجنسيته".
ورغم تأكيده أنه لم يتعرض للضرب أو الإهانة المباشرة، شدد أبو كنان على أن جوهر المعاناة كان في حجز الحرية ونقل المدنيين إلى خارج أرضهم وتركهم في مواجهة مصير مجهول، من دون أن تعرف عائلاتهم أماكن احتجازهم أو أسباب اعتقالهم أو موعد الإفراج عنهم.
وأضاف: " العذاب أن يكون الإنسان بعيداً عن أهله وبلده، ولا يعرف شيئاً عن مصيره، ولا لماذا أُخذ إلى الأراضي المحتلة، ولا ماذا سيحدث له".
اعتقالات خلال أنشطة يومية.
ما طبيعة التحقيقات؟وتكشف شهادات أخرى حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من معتقلين سابقين أُفرج عنهم مؤخراً جانباً من طبيعة التحقيقات التي تجريها قوات الاحتلال مع المدنيين السوريين، إذ تركزت الأسئلة حول النفوذ الإيراني في الجنوب السوري، وشبكات العلاقات المحلية، ونشاط" حزب الله" السابق في المنطقة، إضافة إلى مواقف المعتقلين السياسية من التطورات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية.
وتؤكد الشهادات أن عمليات الاعتقال استهدفت مدنيين أثناء ممارستهم أنشطة حياتية اعتيادية، من دون وجود أي مؤشرات على انخراطهم في أعمال عسكرية أو أمنية.
ففي بلدة جباتا الخشب، اعتُقل شاب يبلغ من العمر 23 عاماً، أثناء رعيه المواشي، قبل أن تُعصب عيناه ويُنقل إلى موقع يعتقد أنه قاعدة عسكرية قريبة من بلدته.
وقال الشاب، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته خوفاً من اختطافه مجدداً، إن المحققين ركزوا على علاقته بـ" حزب الله" ونشاط الحزب السابق في محافظة القنيطرة، وسألوه عن رأيه بسيطرة الحزب على الجنوب السوري وطبيعة الأنشطة التي كان ينفذها هناك.
وأضاف خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا، أنه لم يتمكن من تقديم أي معلومات، موضحاً أنه كان لا يزال طالباً في المدرسة خلال فترة انتشار الحزب في المنطقة.
بدوره، أفاد مختطف من بلدة غدير البستان، يبلغ من العمر 26 عاماً، واعتُقل خلال قيادته دراجته النارية، بأن جزءاً كبيراً من التحقيق تناول موقفه من التدخل الإيراني في سوريا، ورأيه بالسوريين الذين انضموا إلى" حزب الله"، وما إذا كان يعرف أشخاصاً من أبناء القنيطرة كانت لهم صلات بالحزب.
خرائط وأسماء وعلاقات اجتماعيةأحد أكثر التفاصيل التي تكررت في شهادات المعتقلين كان استخدام الخرائط خلال جلسات التحقيق.
وبحسب الشاب المعتقل من جباتا الخشب، عرض المحققون خريطة للمنطقة وطلبوا منه تحديد مواقع قرى ومنازل أشخاص يُعتقد أنهم عملوا مع إيران أو" حزب الله".
أما الشاب المعتقل من غدير البستان، فقال إن المحققين أشاروا إلى مناطق وطرقات وعائلات مختلفة في محافظة القنيطرة، وطرحوا أسئلة تفصيلية عنها، مع طلب معلومات عن أشخاص يُعتقد أنهم كانوا موالين للحزب أو على صلة به.
ولم تقتصر التحقيقات على الجوانب الأمنية، بل شملت أيضاً أسئلة ذات طابع سياسي، فقد أفاد المعتقل من جباتا الخشب بأنه سُئل عن رأيه بالحكومة السورية الحالية ومقارنتها بالحكومة السابقة.
كما قال المعتقل من غدير البستان إن المحققين سألوه عن موقفه خلال فترة حكم بشار الأسد، وما إذا كان مؤيداً أم معارضاً، إضافة إلى رأيه بالحكومة الحالية وإمكانية التحاقه مستقبلاً بالجيش السوري.
ورغم أن عدداً من المعتقلين أُفرج عنهم في نهاية المطاف، فإن تجربة الاحتجاز تركت آثاراً نفسية واضحة لديهم.
وقال الشاب المعتقل من جباتا الخشب إنه نُقل بعد التحقيق الأول إلى مركز احتجاز آخر، حيث وُضع في زنزانة تضم عشرة معتقلين سوريين، مضيفاً أنه علم لاحقاً أن بعض المعتقلين كانوا يُنقلون إلى سجن بئر السبع داخل إسرائيل.
وأشار إلى أن جلسات التحقيق كانت تعيد طرح الأسئلة ذاتها بصورة متكررة، قبل أن يُطلب منه في نهاية احتجازه تسليم رقم هاتفه وعنوان منزله.
وفي المقابل، لم يخضع فتى معتقل من الرفيد، يبلغ من العمر 17 عاماً واعتُقل أثناء جمع الحطب برفقة آخرين، لتحقيق فعلي، لكنه أشار إلى أن عناصر الاحتلال صادروا هاتفه وسجلوا بياناته الشخصية وحذروه من الاقتراب من المواقع العسكرية قبل إطلاق سراحه.
كما أفاد المعتقل من غدير البستان بأن الإفراج عنه سبقته أيضاً عملية تسجيل لرقم هاتفه وعنوان سكنه.
أما أبو كنان السيد، فأكد أن تجربة الاحتجاز الطويلة كانت" عذاباً" بسبب الانقطاع عن العائلة والبلد، وعدم معرفة المعتقلين بما ينتظرهم أو سبب احتجازهم، قائلاً إن معظم السوريين المحتجزين هناك من أصحاب الدخل المحدود والعمال، ولا علاقة لهم بأي تنظيمات.
وأضاف أن بعض السوريين داخل السجون الإسرائيلية مضى على احتجازهم ستة أشهر أو سنة، في حين لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم.
وتأتي هذه الشهادات في وقت يواصل فيه أهالي المعتقلين والمفقودين السوريين لدى إسرائيل تحركاتهم للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم.
فقد نفذ أهالي عدد من المختطفين، الجمعة الماضية، وقفة احتجاجية أمام مقر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك" الأندوف" في منطقة نبع الفوار بريف القنيطرة، مطالبين بالكشف عن أماكن احتجاز أبنائهم والإفراج عنهم.
ورفع المحتجون لافتات حمّلت المجتمع الدولي والأمم المتحدة مسؤولية متابعة القضية، مؤكدين أن استمرار احتجاز أبنائهم يفاقم معاناة العائلات التي تعيش حالة مستمرة من القلق والترقب.
كما نظم أهالي المعتقلين في أيار الماضي وقفة احتجاجية أمام مبنى الأمم المتحدة في دمشق، مؤكدين أن أبناءهم من القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي تعرضوا للاختطاف والإخفاء القسري على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب بيان تلاه ذوو المعتقلين خلال الوقفة، فإن عدد المعتقلين والمفقودين قسراً على يد جيش الاحتلال بلغ 47 شخصاً، بينهم طلاب ومعلمون ومزارعون، في حين لا تزال عائلاتهم تنتظر أي معلومات رسمية عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم.
وتتقاطع هذه الأرقام مع شهادة أبو كنان السيد، الذي قال إن عدد المختطفين السوريين داخل السجون الإسرائيلية يقارب 47 شخصاً، مطالباً عبر الإعلام بتسليط الضوء على قضيتهم ودفع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك من أجل الإفراج عنهم وإعادتهم إلى أسرهم وأعمالهم وحياتهم الطبيعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك