اتفاق بين طرفين؛ لكنه واقع تحت ثلاثة مُؤثِّرات أو أكثر، وتتنازعه إراداتٌ شتّى من الداخل قبل الخارج.
ولا يخلو السياق من انقسامات بشأنه فى كل فريق، أو الإيحاء على الأقل، وإدارة نمط من المخاتلة والاحتيال بتوزيع الأدوار!يتحدّث النص عن مجموعتين؛ أى يشمل إسرائيل مع الولايات المتّحدة، ويضمّ الأذرع والميليشيات تحت مظلّة إيران؛ لا سيما الحزب فى لبنان.
غير أن السيولة المُتفشيّة لا تُجفِّفها اللغة وحدها، والنوايا الخفيّة لا تسير على استقامةٍ مع المواقف المُعلَنَة.
نتنياهو ليس تابعًا تمامًا، وميليشيا حزب الله غير مستقلّة.
ما يعنى أن إرادة واشنطن ليست مُحكّمة وحدها فى التهدئة، وصقور الجمهورية الإسلامية غير غائبين عن غُرفة التفاوض؛ فيُهيمن الميدان على الدبلوماسية شكلاً وموضوعًا.
ولا دليل أبلغ من رسالة المُرشد؛ إذ استبق التوقيع بإثبات أنه يقف على الجانب المُضادّ، وما تقبّل الصفقة إلا بعد تعهُّد الرئيس بزشيكان بأن يظلّ صقرًا قدر الإمكان، وأن يتحمل المسؤولية منفردًا.
والحقّ؛ أن البيت/ مكتب المُرشد، بدا فى الكلمة ستارًا للحرس، أو أن أحمد وحيدى يستنطق مُجتبى، وينوب عنه باسمه؛ تثبيتًا لصيغة حُكم الجنرالات من تحت العمائم.
يُترَك الباب مُوارَبًا؛ ومزيّة ذلك أن الجناح المُتشدّد يغسل يديه أمام الجمهور، ويتربّح من الترتيبات دون أعباء، وبإمكانه أن ينقض الغَزْل، وينقلب على المفاوضات دون أن يبدو مُتعنّتًا؛ بل أن يظهر فى صورة المبدئى المُنافح عن الدولة وثوابت النظام.
وفى المُقابل؛ فالظاهر أو ما يُرَاد تمريره، أن حكومة اليمين الإسرائيلى المتطرفة أُبعِدَت عن التسوية تمامًا، والبنود المُحرَّرة لا تُلبّى مصالحها، وتمرّ من فوق رأسها، دون علمٍ أو استشارة!والطرح على تلك الصورة غير دقيقٍ؛ لأن الرباط الصهيو-أمريكى أمتن من أن ينحلّ فى مواجهة خفيفة مع محور المُمانَعة، لكنّ الفصل المُوحَى به مُجرّد لعبةٍ للاحتواء والترويض، والتغلّب على رفض الأُصوليّة الشيعية للجلوس إلى نظيرتها اليهودية.
يُمكن القول إنها مُغازلة للمتطرفين فى طهران.
إيحاء بتلويث الهواء بين العاصمتين، وبأنهم أجبروا الشيطان الأكبر على التضحية بربيبته استرضاءً للثورة الإسلامية.
وذلك؛ مع صلاحية ورقة التشغيب العِبرية، وإمكانية استغلالها لإرباك الأوضاع الميدانية، واختبار الحدود بلا انقطاع، ثمّ العودة للنقطة صفر فى أى وقت!كرّر ترامب انتقاداته العلنية لإسرائيل، وعلى درب الاستهجان سار نائبه، جى دى فانس؛ وبدت الأجواء مُشحونة ومتشاحنة فى تل أبيب، ما يغرى بالضغط على أعصابها، أو اللعب فى مساحة الالتباس بين الحليفين.
وعلاقة القُطب الأكبر بتابعه ليست تقليدية، ولا تُوزَن بمعهود السياسة ومصالح الدول، ويعرفُ الفُرس ذلك بالتأكيد؛ إلَّا لو انخدعوا باختلاف موجة الكلام وإيقاعه مؤخّرًا!قبل مائة يومٍ تقريبًا شنّ البلدان حربًا على طهران.
والمؤكّد أنهما انطلقا من أهدافٍ مُشتركة، وإلى محطّة بعَينها، أو خطّة طال العمل والجدل بشأنها، وقد يتبدّل التكتيك لحاجةٍ؛ ولا تتغيّر الاستراتيجية.
يُحتَمَل أن الشِّقاق الراهن مُرتَّب قصدًا، أو من غازات البطن التى لا تمس العافية، ولا تُمثّل فى الغالب عَرَضًا لمرضٍ أخطر.
أى لا تُخَلخِل العِناقَ التاريخى، ولا تطعنُ صلابة التزام البيت الأبيض، بغضّ النظر عن ساكنه، تجاه القاعدة الأمريكية الأكبر والأكثر رسوخًا فى الشرق.
ربما لا يُنكَر أنّ الأيام الأخيرة شهدت إزاحة جزئية عن التموضع السابق، لعلّه يعود إلى تحييد العصبة صهيونية الهوى داخل الإدارة، أو لعب نائب الرئيس أدوارًا أكبر.
لكنّ المساس بالعلاقة العقائدية يظلّ خطًّا أحمر، لا أحد يجرؤ على تجاوزه تحت أى ظرف.
اختبر ترامب ورجاله حدود القبول الإيرانى؛ عندما صعّد نتنياهو فى لبنان.
فشلت جولة سويسرا، الجمعة، واستدرك الأمريكيون بهُدنةٍ بين الميليشيا والمُحتل، وطار ويتكوف إلى جنيف مُجدّدًا.
أمس؛ عاد الجيش الإسرائيلى لاختبار خطّ النار.
قال إنه ردَّ على تجاوزاتٍ من الحزب، وقد يكون كاذبًا أو صادقًا، ولكلِّ حالةٍ مُقدّمات ونتائج؛ إنما يلتقيان فى المآل.
الأول يتخطّى ضغط الأمريكيين على أطراف الملالى؛ إذ تأكّدوا من جذرية الموقف بشأن الجبهة اللبنانية.
والبديل أن صقور التوراتيين يلعبون باستقلالٍ نسبى، ويُثيرون الغبار فى أُفق التفاهم، بغرض إفساده والاستدراك على مغادرة الحرب.
أمّا الثانى؛ فربما يسعى من خلاله مُتطرّفو الجمهورية الإسلامية إلى تحصيل مكاسب ماديّة ومعنوية، مع استمراء تعكير المياه بين واشنطن وتل أبيب، والتوهُّم بأن استدراج نتنياهو وعصابته للردّ، سيقود حتمًا لمصادمة ترامب!احتوى البيت الأبيض مناوشات الجمعة، وسيظلّ مع كل محاولة لقطع الطريق.
ولن يهدأ صقور الطرفين، ولن تنتهى المحاولات والمُثيرات، ولا خطر الأخطاء العارضة وسوء الحسابات؛ حتى لو انصرف الغريمان الأصليَّان ذهنيًّا ونفسيًّا عن القتال!بإمكان الصهاينة أن يدّعوا باختراق التفاهمات، أو يُلفّقوا خروقات.
ونزق الميليشيا قد يُورّطها مع قادتها من الحرس الإيرانى فى الرقص على خطوط التماس، وإيهام الذات بتأليب بلدين، تنعقد صِلاتهما بالأيديولوجيا والاقتصاد والمصالح العميقة.
تباطأ الصراع؛ ولم يتوقف، وقد لا يكون باتجاه حلّ وشيك.
الولايات المُتّحدة هدأت اضطرارًا، لا عن قناعة.
ورسالة المُرشد تُصرّح بزُهد السياسة، وبأنهم يشترون وقتًا فحسب.
القادم ليس شرطًا، للأسف، أن يكون أفضل من الراهن أو السابق!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك