الذكاء الاصطناعي.
كيف يعيد تشكيل الشرط الحضاري؟بمجرد أن تضغط على زر التصفح، تظهر الإعلانات والتطبيقات متزامنة مع تفاعلك عبر المنصات الرقمية، معتقدا أنك لم تبد لها رغباتك، بينما في الحقيقة فإن مجرد لمسة عابرة قد تمكنها من جمع بياناتك والاقتراب بعمق من تفضيلاتك الشخصية.
فالشاشات لم تعد تسرد القصص وتبث الأخبار فحسب، بل أصبحت «وسيطا حساسا» ينقل المعلومات الشخصية ويحللها، لينتج فضاء افتراضيا ثالثا يخيل إلينا أنه عالمنا البديل، حيث تصنع التقنيات الذكية توجها مستداما لمستقبل تتغير فيه الشروط الحضارية للإنسان.
حين ظهر الذكاء الاصطناعي، اعتبره كثيرون تهديدا وجوديا للقيم الإنسانية والحضارية، إذ صور إلى حد كبير على أنه «استعمار رقمي» يستلب إمكانات البشرية ووظائفها، متفوقا عليها بآلاف المرات.
ويحيل هذا التصور إلى الصورة التاريخية التي رافقت ظهور الطباعة، حين انقسم العالم بين تحريمها والأخذ بها، قبل أن يتبين لاحقا أن الحضارة تمتلك ذكاء جمعيا يجعل ابتكارات البشر مصدرا للإبداع والتنوع الثقافي والهوياتي، بعيدا عن السرديات المضللة والاستغلال الموحش لوسائل الحضارة.
فهل نعيش حقا استعمارا رقميا يهيمن على خصوصياتنا، أم أن رفضنا للابتكار ضمن شرط حضاري خاص هو ما يغذي خوفنا ويمنحنا شعور الاستسلام والانطواء؟لعل الانتقال من صناعة الخوف عبر سرديات مضللة ومفبركة إلى تغذيته عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة لم يعد حدثا عابرا، بل أصبح موضوعا يوميا يعاد تدويره ضمن خطاب الاستعمار الرقميمن صناعة الخوف إلى تغذية العالم بهتتأسس عملية السيطرة على المجتمعات والدول على مسألة الخوف، حيث تنبري المخاطر الواقعية والمتخيلة لرسم مستقبل مضطرب ومثقل بمصائر قد لا تكون بالضرورة نتائج حتمية.
فالخوف يشكل ما يمكن تسميته «الذات المترددة» المنقادة للسائد ضمن فضاء تتعزز فيه القيم والهويات الأحادية.
وهذا الارتباط بين الخوف على الخصوصية والثقافة من جهة، والانصياع للضوابط الاجتماعية والسياسية دون إعمال آليات التفكير والنقد من جهة أخرى، يفتح ثغرات تاريخية بين الأجيال المتعاقبة.
فبدل أن يكون الصراع الحضاري قائما على جدليات بين النخب المسيطرة والهوامش القاعدية، ينزاح نحو صراع أفقي بين أجيال تتآكلها الذاكرة التاريخية وتتفاوت ثقافاتها وفق ظروف حضارية مختلفة تماما.
ومن أجل ذلك، تطورت عملية «صناعة الخوف» لتشمل مجالات هشة وحساسة يعتقد أنها أكثر انفتاحا على الذات، بينما هي في الواقع تستحوذ على خصوصيتنا طوعا.
فالمجال الرقمي، الذي كان يفترض أن يكون فضاء للتبادل الإنساني والتواصل والتعبير عن التنوع، لم يبحث عن مخرج للمأزق الحضاري بقدر ما جعل تغذية الخوف «نسقا عالميا مستداما» عبر منظومة يومية تشمل وسائل الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى، والحروب السيبرانية، مستهدفة جوهر العلاقات الإنسانية وتحديات الوجود البشري.
ولعل الانتقال من صناعة الخوف عبر سرديات مضللة ومفبركة إلى تغذيته عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة لم يعد حدثا عابرا، بل أصبح موضوعا يوميا يعاد تدويره ضمن خطاب الاستعمار الرقمي.
كأن يصور البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدا للسلم العالمي، أو تصنف مقاومة الاحتلال على أنها إرهاب، أو يتعامل مع الأوبئة بوصفها قدرا محتوما من دون مراجعة إخفاقات الأنظمة الصحية وآليات الاستجابة للأزمات.
إنه انتقال نحو «هيمنة بلا استعمار» فرضت نمطا بشريا واحدا خاضعا لتصور اختزالي للخوف.
فبدل أن يكون الموت قدرا إنسانيا، يصبح تحديا يجب تجاوزه ضمن رؤية لا تنتجها إلا حضارة مادية أقصت نفسها عن القيم الإنسانية المشتركة.
نحن اليوم أمام قفزة نوعية في آليات التواصل البشري والتمثيل الحضاري، حيث انتقل صراع البشر فيما بينهم إلى فرض نسق مستدام من الخوف، يحول توتره الداخلي إلى رفض للذكاء الاصطناعي، رغم أنه صاغ شروطا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريعبالرغم من أن الحرية والعدالة تمثلان حالة إنسانية شاملة، فإن البعض يختزلهما ضمن مجتمع أو ثقافة أو جيل معين، فتتحول المقاربات الاختزالية إلى إعادة إنتاج للتناقضات التاريخية بدل التفاعل مع الاختلاف والتمايز بواقعية وابتكار.
ولو نظرنا إلى حالة التشابك التي يعيشها جيل «زد» مع الأجيال التي يصفها بالكهلنة، لأدركنا أن ثمة مأزقا تعيشه الشعوب داخل فضاء حضاري يفرض شروطه الخاصة عبر مراحل تاريخية متباينة، بعيدا عن حتمية تكرار النسخ البدائية داخل السحب الرقمية.
إن ما يعنيه الشرط الحضاري هو تلك الحالة التي تسمح بإحالة الفعل الإنساني إلى قيم الحرية والعدالة، لتتعزز معها وسائل الابتكار والتنوع والاعتراف.
حيث يكون لكل جيل ثقافته الخاصة التي ترسم ملامح مجتمع تتوارث فيه الهويات الحرية والعدالة، لا الصراعات التاريخية المرتبطة بخطابات العنصرية والأفضلية.
فنحن اليوم أمام قفزة نوعية في آليات التواصل البشري والتمثيل الحضاري، حيث انتقل صراع البشر فيما بينهم إلى فرض نسق مستدام من الخوف، يحول توتره الداخلي إلى رفض للذكاء الاصطناعي، رغم أنه صاغ شروطا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريع.
وسيتحتم على المجتمعات الهامشية أن تعي مأزقها الحضاري، ولو متأخرة، لأن الخوف الذي تبثه الهيمنة الرقمية عبر منصات التواصل سيجعل منها نسخا مستلبة تتكرر صورتها ولغتها التفاعلية.
غير أن إدراكها لمعنى الشرط الحضاري يتيح لها استثمار الفضاء الرقمي اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، بما يعزز الابتكار ويرتقي بالحضور الإنساني، ويحصنها ضد الخوف الذي تفرضه متلازمات الاستعمار الحديثة.
يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الحرية والإرهاب ضمن برامج تغذية الخوف العالمي، بوصفه شكلا من أشكال الهيمنة بلا استعماريرتكز الاستعمار الرقمي على التكنولوجيا ومنصات التواصل، حيث يجعل من الإنسان رقما في سلسلة التحليل والاستخدام اليومي لبياناته.
غير أن الجانب الأهم في إدراك خطورة هذا النوع من الاستعمار الناعم يتمثل في قدرته على تفكيك مجتمعات أظهرت هشاشتها بسبب رفضها لفكرة الابتكار.
فقد أصبح توجيه الخوارزميات وفق توجهات سياسية أو أيديولوجية مدعاة لإعادة التفكير في معنى أن يكون الفضاء الرقمي مجتمعا إنسانيا، لا مجرد مخزن للبيانات يستخدم لترميم عسكرة المجتمعات وإعادة إنتاج السيطرة عليها.
وما استجد مع الذكاء الاصطناعي هو انتقال التكنولوجيا من مجرد فرض خطاب معين إلى إعادة تشكيل بنية اجتماعية كاملة، أقرب إلى استيطان رقمي يتغلغل في الثقافة والتاريخ والهوية، لا بهدف تطويرها وتحويلها إلى موضوع للإبداع، بل لتحويلها إلى حالة متناقضة ومستعصية على الفهم يجب التخلص منها.
ولعل تقييد بعض منصات التواصل الاجتماعي للمحتوى الداعم للقضية الفلسطينية وحجب أجزاء منه، واتباع سياسات تضييقية تجاهه، يمثل نموذجا على تورط الوساطة التقنية في التأثير على السرديات العامة وتوجيهها.
يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الحرية والإرهاب ضمن برامج تغذية الخوف العالمي، بوصفه شكلا من أشكال الهيمنة بلا استعمار.
إذ يكمن الصراع على التكنولوجيا المتطورة في تنافس بين قوى تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر أدوات رقمية متقدمة.
فالإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عنصر داخل ماكينة إنتاج أو استهلاك.
وبدل أن تتعزز التقنيات الحديثة في خدمة الصحة ومواجهة الكوارث والفقر وإيجاد حلول مستدامة للمشكلات الإنسانية، تنشأ مخاوف متزايدة حول أنسنة الروبوتات وتوسيع أدوارها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
لم يعد الأمر مقتصرا على الاستحواذ على الوظائف البشرية، بل امتد إلى التأثير في العلاقات الاجتماعية وأنماط التفكير والتفاعل الإنساني.
فهل سنشهد إذعانا للاستعمار الرقمي، أم تفاعلا إبداعيا ينجح الإنسان من خلاله في توظيف التكنولوجيا لصالح حريته ومستقبله الحضاري؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك