قبل الحرب، كانت (إسرائيل )تعيش ذروة الثقة بالنفس.
فمنذ السابع من أكتوبر، ومع اتساع عملياتها العسكرية في أكثر من ساحة، واغتيال شخصيات بارزة في لبنان وفلسطين، تشكل داخل المؤسسة الإسرائيلية شعور بأن ميزان القوة في المنطقة حُسم نهائياً لصالحها، وأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة فرض الوقائع بالقوة، أو ما يسميه بعض قادتها" سلام القوة".
لكن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم الدمار، وإنما بما تتركه من تحولات استراتيجية في الوعي الإقليمي والدولي.
ومع استمرار المواجهة مع إيران، بدأت تتآكل صورة الهيمنة المطلقة التي حاولت إسرائيل ترسيخها.
فإيران، رغم الخسائر التي تعرضت لها، بقيت لاعباً رئيسياً في المعادلة الإقليمية، ولم تختفِ من المشهد السياسي أو العسكري.
وبقيت تمتلك مقومات الدولة الكبيرة: الجغرافيا، والسكان، والاقتصاد، والموارد الطبيعية، والقدرة على التأثير في محيطها.
أما (إسرائيل)، فخرجت من الحرب وهي تواجه تحدياً مختلفاً.
فالسؤال الذي بدأ يُطرح في كثير من العواصم لم يعد: كيف نحمي (إسرائيل)؟ بل: كيف نمنع استمرار الحروب التي تقودها إسرائيل من تهديد استقرار المنطقة؟لقد تغيرت صورة (إسرائيل )في أجزاء واسعة من الرأي العام العالمي.
فبدلاً من أن تُقدَّم باعتبارها مشروعاً للاستقرار، أصبحت تواجه اتهامات متزايدة بسبب الحرب، وازداد الضغط السياسي والقانوني عليها في ملفات تتعلق بالقانون الدولي والقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، تمتلك إيران عناصر تجعل كثيراً من الدول مضطرة للتعامل معها مهما بلغت الخلافات السياسية معها؛ فهي دولة ذات موقع جغرافي محوري، وثروات ضخمة، وسوق كبيرة، ودور لا يمكن تجاوزه في ملفات الطاقة والممرات التجارية وأمن المنطقة.
قد يختلف كثيرون مع سياسات إيران، كما يختلفون مع سياسات (إسرائيل)، لكن السياسة الدولية لا تُبنى على المواقف الأخلاقية وحدها، بل على المصالح.
والمصالح تجعل الدول تبحث دائماً عن مراكز الثقل، لا عن الشعارات.
لذلك، فإن أخطر ما تواجهه (إسرائيل)بعد الحرب ليس صاروخاً جديداً، وإنما احتمال أن تتحول من دولة كانت تعتقد أنها تفرض الشروط على الجميع إلى دولة تُفرض عليها الشروط، وأن تجد نفسها أمام ضغوط دولية متزايدة لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والقبول بتسوية للقضية الفلسطينية لم تعد قادرة على تأجيلها إلى ما لا نهاية.
قد يكون هذا هو التحول الأكبر الذي أفرزته الحرب: فالمعركة لم تغيّر خرائط الميدان فقط، بل أعادت رسم خرائط القوة، وفتحت الباب أمام مرحلة قد يكون عنوانها الأبرز ليس" من انتصر؟ "، بل" من سيدفع الثمن القاسي في المرحلة التالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك