* من خلية السلط إلى الدلابيح.
دماء الشهداء تنتصر أخيراً.
" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "الكاتب والمحلل الامني د.
بشير الدعجهلم يكن فجر الأحد يوماً عادياً في المشهد الأردني.
ولم يكن تنفيذ أحكام الإعدام بحق ستة مدانين في قضايا إرهابية وجنائية مجرد إجراء قضائي روتيني انتهى بتوقيع على أوراق رسمية أو تنفيذ لحكم قطعي صادر عن القضاء.
بل كان إعلاناً صريحاً بأن الدولة الأردنية ما زالت تمسك بزمام الردع.
وأن دماء شهدائها ليست بنداً مؤجلاً في أرشيف العدالة.
وأن السنوات مهما امتدت لا تستطيع أن تطفئ حق المجتمع في القصاص ممن استباحوا أرواح حماة الوطن.
لقد حملت المشانق التي نُفذت بحق المدانين الستة رسائل تتجاوز الأشخاص والأسماء والوقائع.
رسائل موجهة إلى الإرهابيين.
وإلى تجار الموت والمخدرات.
وإلى كل من يعتقد أن بإمكانه رفع السلاح في وجه الدولة ومؤسساتها الأمنية ثم الإفلات من الحساب.
فالرسالة الأردنية هذه المرة جاءت شديدة الوضوح.
شديدة اللهجة.
وحاسمة بلا مواربة: الدولة قد تصبر.
لكنها لا تنسى.
وقد تتأنى.
لكنها لا تتراجع عن حقها في حماية أمنها ومواطنيها.
وعند قراءة القضايا التي شملتها الأحكام يتبين أن الأمر لا يتعلق بجرائم اعتيادية أو خلافات جنائية محدودة.
بل بملفات سالت فيها دماء ضباط وأفراد من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والأمن العام أثناء أداء الواجب.
فمن خلية السلط الإرهابية التي ارتقى فيها عدد من الشهداء من رجال الأمن.
إلى جريمة اغتيال الشهيد العميد عبد الرزاق الدلابيح.
وصولاً إلى القضايا المرتبطة بتجار المخدرات الذين واجهوا القوات الأمنية بالرصاص وأوقعوا شهداء أثناء تنفيذ الواجب.
فإننا نتحدث عن اعتداءات مباشرة على هيبة الدولة وسيادتها وأمنها الوطني.
ومن الناحية الاستراتيجية فإن تنفيذ الأحكام في هذا التوقيت يبعث برسالة ردع قوية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
فالمنطقة تعيش منذ سنوات حالة من الاضطراب الأمني غير المسبوق.
وتشهد تصاعداً في نشاط التنظيمات المتطرفة.
والشبكات العابرة للحدود.
وعصابات التهريب والمخدرات التي تحولت في بعض المناطق إلى كيانات شبه عسكرية تمتلك السلاح والتمويل والخبرات القتالية.
وتشير تقارير دولية عديدة إلى أن حجم تجارة المخدرات غير المشروعة حول العالم يقدر بمئات المليارات من الدولارات سنوياً.
وأن شبكات التهريب أصبحت من أخطر التهديدات العابرة للحدود.
بل إن بعض الدراسات الأمنية الحديثة باتت تضع الجريمة المنظمة المسلحة في مستوى تهديد يقترب من مستوى الإرهاب بسبب قدرتها على تقويض الاستقرار وإضعاف مؤسسات الدولة.
ومن هنا يمكن فهم إدراج قضايا المخدرات المسلحة ضمن ذات المشهد الذي ضم قضايا الإرهاب.
فالأردن لم يعد ينظر إلى المهرب الذي يطلق النار على رجال الأمن باعتباره مجرد مخالف للقانون.
بل باعتباره تهديداً مباشراً للأمن الوطني.
تماماً كما هو حال الإرهابي الذي يستهدف الدولة ومؤسساتها.
أما من الناحية الاجتماعية.
فإن تنفيذ الأحكام يمثل بالنسبة لعائلات الشهداء اكتمالاً لمسار العدالة الذي انتظروه سنوات طويلة.
فخلف كل شهيد أم مكلومة.
وزوجة ثكلى.
وأطفال كبروا على صورة أب رحل وهو يؤدي واجبه الوطني.
ولذلك فإن هذه الأحكام لا تُقرأ فقط من زاوية القانون.
بل من زاوية الوفاء لمن دفعوا حياتهم ثمناً لأمن المجتمع واستقراره.
وعلى الصعيد القانوني.
يثار بين الحين والآخر تساؤل حول مدى انسجام تنفيذ عقوبة الإعدام مع التزامات الأردن الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وهنا لا بد من التوضيح أن الأردن طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إلا أن هذا العهد لا يحظر عقوبة الإعدام بصورة مطلقة.
وإنما يسمح للدول التي لا تزال تطبقها باستخدامها في الجرائم الأشد خطورة ضمن ضمانات قضائية صارمة ومحاكمات عادلة.
كما أن الأردن ليس طرفاً في البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام.
وبالتالي فإن تنفيذ هذه الأحكام لا يشكل مخالفة للالتزامات الدولية طالما جرى وفق الإجراءات القضائية والدستورية النافذة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الأردن كان قد شهد خلال بعض السنوات فترات توقف فعلي عن تنفيذ أحكام الإعدام.
في سياق توجه عالمي يدعو إلى الحد من استخدام العقوبة.
إلا أن عودة تنفيذها في الجرائم الأشد خطورة ارتبطت باعتبارات أمنية ومجتمعية وقانونية تتعلق بحجم التهديدات التي تواجه الدولة وبخطورة الجرائم المرتكبة.
إن الدولة حين تلجأ إلى أقصى العقوبات لا تفعل ذلك بدافع الانتقام.
وإنما لتحقيق الردع العام والخاص.
فالردع الخاص يمنع الجاني من العودة إلى ارتكاب الجريمة.
أما الردع العام فيبعث برسالة إلى آلاف الأشخاص الآخرين بأن الثمن سيكون باهظاً إذا اختاروا الطريق ذاته.
وفي العلوم الأمنية الحديثة يظل الردع أحد أهم أدوات حماية الاستقرار الوطني.
فالدول لا تواجه الإرهاب والجريمة المنظمة بالسلاح فقط.
وإنما بمنظومة متكاملة تشمل الاستخبارات والقضاء والتشريع والعقوبة الرادعة.
وعندما تتكامل هذه العناصر يصبح الأمن أكثر قدرة على حماية المجتمع من التهديدات المستقبلية.
الخلاصة أن ما جرى فجر الأحد لم يكن مجرد تنفيذ لأحكام قضائية بحق ستة مدانين.
بل كان إعلاناً أردنياً صريحاً بأن الدولة ما زالت تمتلك إرادة الحسم.
وأن دماء الشهداء ليست ملفاً قابلاً للنسيان.
وأن من يوجه سلاحه نحو رجال الأمن أو يعبث بأمن الوطن سيجد نفسه في مواجهة القانون بكل قوته وهيبته.
لقد أراد الأردن أن يقول للإرهاب وتجار المخدرات والجريمة المنظمة شيئاً واحداً لا لبس فيه.
الوطن الذي قدّم الشهداء دفاعاً عن أمنه واستقراره لن يتردد في استخدام كل ما يتيحه القانون لحماية أبنائه.
وأن العدالة قد تتأخر أحياناً.
لكنها حين تصل تكون حاسمة.
وقاطعة.
ونافذة باسم الدولة والمجتمع وحق الشهداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك