تأكيد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان توجه الحكومة لتوسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، ليس رسالة سياسية مؤقتة مرتبطة بحدث محدد، وإنما إعلان واضح بأن الدولة الأردنية وصلت إلى قناعة مفادها أن بعض الجرائم تجاوزت كل الحدود التي يمكن التعامل معها بالعقوبات التقليدية، وأن التهديدات التي تستهدف أمن المجتمع والدولة تتطلب أدوات ردع استثنائية.
اضافة اعلانأمس، وبعد تنفيذ أحكام إعدام بحق مُدانين في قضايا تمس أمن الدولة، تحدث حسان عن توسيع العقوبة لتشمل كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالعصابات الخارجية، ما يكشف حجم القلق الرسمي من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، ويعكس إدراكا متزايدا أن المخدرات تعدّتْ كونها قضية جنائية أو سلوكية، لتصبح جزءا من معركة أمنية مفتوحة تتداخل فيها الجريمة المنظمة مع التهريب العابر للحدود، ومحاولات استهداف استقرار الدول والمجتمعات.
على امتداد زهاء خمسة عشر عاما، تعامل الأردن مع المخدرات باعتبارها تهديدا مباشرا لأمنه الوطني، فالحدود الشمالية والشرقية تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مواجهة فعلية بين القوات المسلحة الأردنية وشبكات إجرامية ضخمة منظمة تمتلك السلاح والمال والخبرة، وتستخدم أساليب متطورة في التهريب والتخفي والاشتباك، وسيارات دفع رباعي وطائرات مسيرة وأسلحة متوسطة وخفيفة، وتعمل ضمن منظومات عابرة للحدود تمتلك مصادر تمويل كبيرة وقدرات تنظيمية متقدمة.
خلال هذه المعركة المفتوحة، دفعنا ثمنا باهظا في سبيل حماية المجتمع، فسقط شهداء وجرحى خلال المواجهات، وتحمّلت الدولة كلفا مالية وأمنية ضخمة للحفاظ على أمن المجتمع ومنع انتشار هذه السموم بين الشباب.
ورغم كل هذه الجهود، بقيت المشكلة قائمة، فكلما أحبطت عملية تهريب ظهرت أخرى، وكلما تم تفكيك شبكة إجرامية برزت شبكات جديدة، ما قاد إلى القناعة بأن العقوبات الحالية لم تكن كافية للردع.
العصابات الإجرامية الكبرى لا تتحرك بدوافع أيديولوجية أو عقائدية، وإنما تحركها حسابات الربح والخسارة، وحين تكون الأرباح بملايين الدولارات، بينما تظل العقوبات ضمن حدود السجن والغرامات والأحكام المحددة المدة، فإن المجرمين قد يجدون أن المخاطرة تستحق المحاولة.
أما حين تصبح النتيجة المحتملة هي فقدان الحياة نفسها، فإن المعادلة تتغير بصورة جوهرية.
قد لا يؤدي ذلك إلى إنهاء تجارة المخدرات بالكامل، فلا توجد دولة في العالم استطاعت القضاء نهائيا على هذه التجارة، لكن المؤيدين للعقوبة يرون أنها قادرة على رفع كلفة الجريمة إلى مستوى يجبر المتورطين على إعادة التفكير مرارا قبل الدخول في هذا المجال.
أما فيما يتعلق بالموقف الدولي، فمن المتوقع أن تثير أيّ خطوة نحو توسيع تطبيق عقوبة الإعدام نقاشات وانتقادات من بعض المنظمات الحقوقية الدولية والجهات المانحة التي تعارض هذه العقوبة من حيث المبدأ.
غير أن الأردن، شأنه شأن دول عديدة أخرى، يمتلك الحق السيادي في تحديد تشريعاته الجزائية بما ينسجم مع مصالحه الوطنية وتقديراته الأمنية.
من الصعب تصوّر أن دولةً تخوض معركةً يوميةً مع عصاباتٍ مسلحةٍ ومهربين محترفين ستقبلُ بأن تضع اعتبارات المانحين فوق اعتبارات أمنها الوطني وسلامة مواطنيها.
كما أنّ الدول المانحة نفسها تدرك أنّ استقرار الأردن يمثل مصلحة إقليمية ودولية مشتركة، وأنّ نجاحه في حماية حدوده ومجتمعه من المخدرات يخدم أمن المنطقة بأكملها.
ولهذا فإنّ أيّ تحفظات محتملة لن تغيّر من حقيقة أن الدولة مسؤولة أولا وأخيرا عن حماية مواطنيها والدفاع عن أمنهم.
لا يمكن الادّعاء أنّ عقوبةَ الإعدامِ ستكون العصا السحرية القادرة على إنهاء تجارة المخدرات أو القضاء على العنف المرتبط بها بصورة كاملة.
لكنْ من الصعب أيضا تجاهل القيمة الردعية الكبيرة التي تحملها، خصوصا عندما توجه إلى الرؤوس الكبيرة في شبكات التهريب، وإلى من يتعاملون مع هذه التجارة باعتبارها حربًا مفتوحة على المجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك