تفضّل الأمريكية إريكا ستيفنسن صفة «صانعة المحتوى»، على لقب المؤرخة، أو الاختصاصية في الكلاسيكيات، الأدبية أو التاريخية، والإغريقية منها على وجه الخصوص؛ رغم أنها اختيرت في سنة 2024 ضمن مجموعة «أفضل 30 مؤرخاً دون سنّ الـ 30».
لديها أكثر من مليونَيْ متابع على الـ»يوتيوب»، وميدان شهرتها، والأحرى الحديث عن جاذبيتها من حيث المحتوى، هو إحياء الأعمال الكلاسيكية؛ ضمن مجموعة ترفع شعار «قدماء حديثون»، أو MoAn في مختصره باللغة الإنكليزية.
وهذه سطور لا تزعم متابعة ستيفنسن على «يوتيوب»، وحضورها في هذا العمود عائد إلى كتابها الذي صدر قبل أيام، بالإنكليزية، تحت عنوان «أثر الأوديسة: كيف شكلت العالمَ قصيدةُ هوميروس الملحمية».
والحماس الطافح الذي يعكسه العنوان سرعان ما يتجلى أكثر فأكثر عند الانتقال إلى فصول الكتاب التسعة، التي تتناول هوية أوديسيوس (عوليس)، والاستجابة القديمة للملحمة، والعصور الوسطى، وأحقاب النهضة والباروك، وعصر الأنوار، والحقبة الفكتورية، وصولاً إلى مطالع القرن العشرين، فالأحقاب الحديثة والراهنة… وميادين التأثير تتعاقب على شاكلة الدهور، في الفنون كافة كما في الآداب والظواهر الطبيعية، والخالد دائم الازدهار هو معنى الملحمة ودلالاتها المتنوعة المتغايرة.
وقد لا يكون في كتاب ستيفنسن من جديد فارق أو نوعي، بالنظر إلى مئات، وربما آلاف، الاجتهادات التي تناولت أعمال هوميروس؛ ما خلا أنّ توقيت صدوره يتصادف مع واقعة أخرى فارقة ونوعية، تضيف المزيد إلى «عجائب» ذلك الشاعر الضرير الذي تمكنت مخيلته الفائقة من عبور القرون والثقافات والجغرافيات.
هذه الواقعة هي العثور، خلال أعمال تنقيب آثارية في منطقة البهنسا، من صعيد مصر، على مومياء رقدت على صدرها بردية محفوظة في علبة طينية، دُوّنت على لفائفها نصوص من «إلياذة» هوميروس، وتحديداً الفصل الذي يسرد أعداد السفن المتوجهة إلى محاربة طروادة وحصارها.
المثير، أوّلاً، هو أنّ هذا المصري، وهو من عامة الناس وليس من الأشراف أو السلالات الملكية، اختار «الإلياذة» تحديداً كي تكون شفيعة له أمام الآلهة في العالم الآخر، في كونها تعويذة أو تميمة أو وسيلة تقرّب وزلفى؛ وليس، كما جرت العادة، الدفن صحبة «كتاب الموتى» الأشهر والأرفع مقاماً، أو المجوهرات والحلي والنفائس الثمينة.
لافت، في مقام آخر، أن تكون كتابات هوميروس تحديداً قد اكتسبت ذلك الانتشار الواسع، العابر للأزمنة والأمكنة هنا أيضاً، وحظيت بقيمة توسّط روحية رفيعة في عالم الموتى «السفلي»، تضاهي قيمتها الأدائية في عالم الأحياء.
وجدير بالتحليل والتأويل عنصر ثالث، هو مستوى الثقافة الكونية التي تمتع بها عامة المصريين في عهود مومياء سحيقة تعود إلى 2000 سنة على الأقلّ.
وقبل اكتشاف البهنسا، كان مارشيللو مانياسكو رئيس قسم الفيزياء الرياضية في جامعة روكفلر، نيويورك؛ وزميله كونستانتينو بايكوزيس رئيس المرصد الفلكي في لابلاتا، الأرجنتين؛ قد توصلا إلى أنّ هوميروس وصف كسوف الشمس في توقيت دقيق تماماً عشية عودة عوليس إلى إيثاكا، على لسان الكاهن ثيوكليمنوس الذي يقول (بترجمة دريني خشبة): «ما هذه الأشباح التي تكظّ البهو الخالد؟ إنها تتهاوى إلى عالم الفناء، فويل لكم! أوه! وتلك آية أخرى، لقد كسفت الشمس فجأة وتوارت بالحجاب! الضباب الضباب! ما أروع الضباب ينتشر فيملأ ما بين الأرض والسماء! ».
وهكذا فإنّ بردية البهنسا تضيف دليلاً قاطعاً على أنّ النصوص الإغريقية استُخدمت كتمائم سحرية تؤدي دور التعويذة، وأنّ هوميروس كان اسماً بارزاً في هذا المضمار؛ الأمر الذي يستدعي البحث في سؤال حاسم مزدوج: لماذا هذا الرجل، الشاعر الضرير؟ ولماذا هذه النصوص، التي تروي حصار طروادة ومتاهات عوليس وعودته إلى إيثاكا؟ الإجابات ليست مفتقَدة، بل لعلها أكثر تقاطعاً وتشابكاً من أن تُبقي للحيرة هامشاً ملموساً؛ والمعضلة قد تكمن هنا تحديداً: في أنها تتمحور حول محمول دلالي كبير أوّل، قبل أن تتفرّع وتتشابك فتصنع تالياً ما هو محيّر ومثير وعجيب؛ ينطوي، في كلّ حال، على مزيد من أنساق التأويل في استقبال «الإلياذة» و»الأوديسة».
المحمول الدلالي هو أنّ نصوص هوميروس تتناول حرب طروادة، المدينة التي قد تكون قامت بالفعل على شواطئ آسيا الوسطى، ودُمّرت مرّات عديدة، بما في ذلك الخراب الذي حلّ بها أواسط 1200 قبل المسيح.
ولعلّ ذاكرة ذلك الانهيار ارتبطت بقصص سقوط المدينة، فحوّلت حكاية تلك الحرب العتيقة إلى استعارة جبارة تصف تقويض الحضارات عن طريق شهوة الغزو وعنف الاجتياح.
وتلك قصص رُويت طيلة مئات السنين، ونُظمت قصائد ملحمية عديدة في وصف الحصار، ضاعت كلّها ما عدا «الإلياذة» و»الأوديسة».
وهاتان وضعهما هوميروس شفهياً، ثمّ جرى تدوينهما لاحقاً، وأصبحتا المرجع الأعلى للأجيال التالية من الإغريق، إذ تلمسوا فيهما مزيجاً فريداً من التاريخ والشعر معاً، فارتقوا بهما إلى مصافّ السردية الوطنية الكبرى.
كذلك فإنّ وقائع حصار طروادة، ثمّ سقوطها وتدميرها، صنعت الحكاية غير الدينية الأكثر سرداً وتناقلاً وإلهاماً واستلهاماً، على مدى التاريخ؛ فتوفّرت، في كلّ الأحقاب الرئيسية من عمر البشرية، هذه الحزمة أو تلك من الشروط التي شجّعت على استثمارها، بما كان يخدم سلسلة أغراض سياسية وإيديولوجية وسياسية وثقافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك