في الوقت الذي يتحدث فيه بعض أصحاب المخابز ليل نهار عن إنتاج خبز من قمح «غير معدل جينيا»، وكأنهم اكتشفوا سرا خطيرا ظل مخفيا عن الأردنيين لعقود، تغيب الجهات الرسمية بالكامل عن المشهد، فلا توضيح ولا تفسير ولا حتى بيان مقتضب يضع المواطن أمام الحقيقة.
اضافة اعلانفإذا كان القمح المستورد الذي يصنع منه معظم خبز الأردنيين معدلا جينيا فعلا، فمن حق الناس أن تعرف ما معنى ذلك، وما فوائده وأضراره، وهل يشكل خطرا على الصحة أم لا، أما إذا كان الأمر مجرد شعار تسويقي لرفع المبيعات وجذب الزبائن، فمن واجب الدولة أيضا أن توضح ذلك وتحمي المستهلك من التضليل والمبالغات.
الغريب أن وزارات ومؤسسات يفترض أنها معنية مباشرة بهذا الملف، مثل وزارة الصناعة والتجارة، ومؤسسة المواصفات والمقاييس، والمؤسسة العامة للغذاء والدواء، والمركز الوطني للبحوث الزراعية، تقف موقف المتفرج، وكأن القضية تدور في دولة أخرى لا في الأردن، وبين صمت المؤسسات وضجيج التسويق، وجد بعض أصحاب المخابز فرصة ذهبية لزيادة مبيعاتهم، فتارة خبز الحبة الكاملة، وتارة الخبز الأسود، ومرة خبز الشعير، وأخرى خبز الذرة، حتى بات المواطن يشعر وكأن رغيف الخبز الذي اعتاد عليه لعشرات السنين تحول فجأة إلى مادة مشبوهة تحتاج إلى شهادة حسن سلوك.
والسؤال البسيط الذي لم يجب عنه أحد، من أين يأتي هذا القمح «الاستثنائي» الذي يتحدثون عنه؟ وهل يملك أصحاب هذه المخابز صوامع وإمدادات مستقلة تكفي لإنتاج كميات تجارية مستمرة؟ أم أن الحكاية لا تتجاوز حملة تسويقية بنيت على غياب المعلومة الرسمية؟من المتوقع أن ينتج الأردن هذا العام من ثمانين إلى مائة ألف طن من القمح والشعير، وهو رقم جيد مقارنة بسنوات سابقة، لكنه لا يغطي سوى جزء يسير من احتياجات المملكة، لذلك فإن ترك الملف مفتوحا أمام الاجتهادات والتخمينات والإشاعات لن يخدم أحدا، بل سيزيد من قلق الناس ويمنح المتاجرين بالمخاوف مساحة أوسع للربح.
المطلوب ببساطة أن تخرج الجهات المختصة وتضع النقاط على الحروف، هل القمح المستورد معدل جينيا أم لا؟ وإذا كان كذلك، فما حقيقة تأثيره؟ وما المعايير التي تحكم استيراده؟أما الصمت، فهو الذي يصنع الإشاعة، ويمنحها شرعية لا تستحقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك