دور الثقافة في الجيوبوليتيك العربيلا تُعدّ الثقافة في الجيوبوليتيك العربي عاملاً ثانوياً أو هامشياً، بل تمثل مورداً استراتيجياً أساسياً لفهم تفاعلات المنطقة وتحولاتها.
فكثيراً ما تُفسَّر التطورات في العالم العربي من خلال النفط والحدود والحروب والتدخلات الأجنبية فقط.
غير أنه ينبغي إدراك أن هذه العوامل والتطورات تمرّ عبر طبقة ثقافية عميقة ويتم تفسيرها من خلالها.
لذلك، لا بد من فهم كيف تُشكّل الدين واللغة والذاكرة والهوية والمذهب والروابط القبلية والتاريخ جيوسياسة المنطقة.
يمكن تعريف الثقافة باعتبارها منظومة من المعاني؛ فهي تمنح السلطة السياسية شرعيتها، كما يمكن توظيفها مصدراً للتوتر.
وقد تشكّل الشرق الأوسط الحديث بفعل التاريخ الإسلامي، والإرث العثماني، والاستعمار الغربي، والقومية العربية، والصحوة الإسلامية، واستمرار القضية الفلسطينية دون حل.
وهذه ليست مجرد قضايا دبلوماسية، بل هي ذاكرات ثقافية تنتقل عبر المدارس والمساجد ووسائل الإعلام والأدب والشعر وتاريخ العائلات.
فقد ترسم الحدود على الخريطة ملامح السياسة، لكن الثقافة هي التي تحدد ما إذا كان الناس سيشعرون بالولاء أو المظلومية أو التضامن أو المقاومة.
لعلّ الدين هو القوة الثقافية الأكثر وضوحاً في الجيوبوليتيك العربي.
فقد تراجع تأثير القومية العربية، التي انتشرت في مطلع القرن العشرين ثم تعززت بتأثير جمال عبد الناصر، بصورة كبيرة بعد هزيمة عام 1967.
أما الدين، فما زال يؤثر في شرعية الأنظمة، وفي تشكيل الجماعة، وفي الخطاب السياسي داخل الدول.
وتستخدم الحكومات والأحزاب المفاهيم الدينية بفاعلية من أجل حشد الدعم، وتعزيز السلطة، وبناء تأثير إقليمي ودولي.
تُطرَح الفوارق الدينية في سياقات مثل المقاومة الفلسطينية، والبنية السياسية في لبنان ومصر.
كما يظهر العامل المذهبي في مقاربة إيران للعالم العربي، وفي سياسات العراق، ولبنان وسوريا واليمن.
غير أن اختزال المنطقة في التنافس المذهبي وحده يُعدّ أمراً مضللاً.
فالثقافة يمكن، إذا أُحسن توظيفها، أن تكون عاملاً موحِّداً أيضاً.
فاللغة العربية المشتركة، والإرث الإسلامي، وتقاليد التجارة، والروابط القبلية الممتدة عبر الحدود، تخلق شعوراً بالانتماء الإقليمي، وتساعد على التعاون حتى في ظل وجود خلافات بين الحكومات.
تعمل الثقافة أيضاً من خلال القوة الناعمة.
فقد أدركت دول الخليج، ولا سيما قطر، أن التأثير في القرن الحادي والعشرين لا يتحقق بالثروة المادية وحدها.
فشبكات الإعلام، والمتاحف، والجامعات، وشركات الطيران، والفعاليات الرياضية العالمية، ومهرجانات السينما، ومشاريع التراث، والحملات السياحية أصبحت جزءاً من استراتيجية القوة الناعمة.
ومن خلال الاهتمام بالبيئة، والاستثمار في التكنولوجيا، وتقديم المساعدات العالمية، تسعى هذه الدول إلى إقناع العالم بأنها تنتج سياسة مسؤولة وفاعلة.
تستخدم الحكومات العربية الثقافة بصورة استراتيجية أيضاً للتعبير عن هويتها وعن المستقبل الذي تمثله.
فبعضها يقدّم نفسه بوصفه حارساً للتقاليد، بينما يقدّم بعضها الآخر نفسه كمركز للحداثة، والتسامح، والاستثمار والابتكار.
وتؤثر هذه السرديات في السياح والمستثمرين والحلفاء والعمالة الأجنبية، بل وفي المواطنين المحليين أيضاً.
فالدولة التي تستطيع التحكم في صورتها الثقافية تكتسب هامشاً أوسع للمناورة السياسية.
وقد أسهم نجاح قطر في تنظيم بطولة كأس العالم السابقة، وربطه بقيم التسامح الإسلامي، في تعزيز صورتها العالمية وفي ترسيخ شعورها الوطني بالفخر والاعتزاز.
تتزايد في العالم العربي أيضاً أهمية الثقافة في الصراع العالمي.
فقد أنشأت القوى الكبرى قنوات تلفزيونية وبوابات إلكترونية موجهة إلى الشعوب العربية، كما أن المدارس الأجنبية التي افتُتحت في كثير من الدول العربية كانت منذ زمن طويل عاملاً من عوامل القوة الناعمة.
وتدرك هذه القوى أن بناء تصورات الصداقة والعداء، وضمان الاتفاقيات الثنائية والتجارة، وخلق تأثير دائم، يحتاج إلى شرعية ثقافية.
ولذلك، يشارك بعض القادة الأجانب أحياناً منشورات باللغة العربية من أجل توجيه رسائل إلى الشعوب العربية.
غير أن الخطر يكمن في التلاعب بالثقافة أو استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية أو لإشعال الصراعات.
فعندما تحوّل الجماعاتُ التراثَ الثقافي إلى دعاية، أو الدينَ إلى تنافس مذهبي، أو الهويةَ إلى أداة للإقصاء، تصبح الثقافة سلاحاً، وهذا يمثل مصدراً كبيراً للتوتر في شرق أوسط متعدد الثقافات والأديان.
إن الشرق الأوسط يحتاج إلى ثقة ثقافية، وهذه الثقة كامنة في التاريخ الإسلامي.
ومن أجل تحقيق السلام والاستقرار في جيوسياسة المنطقة، لا تكفي القوة العسكرية والاقتصادية وحدها، بل يجب أيضاً نقل المعنى والذاكرة والخيال إلى المستقبل، مستلهمين من خبرات الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك