جيل ربّته الكتب وآخر ربّته الخوارزمياتيستحق الفرق بين جيلٍ ربّته الكتب وجيلٍ ربّته الخوارزميات أن يُقرأ بهدوء، بعيدًا عن الحنين الذي يُجمّل الماضي أحيانًا، وبعيدًا عن الحماسة التي تُغدق على الجديد صفات استثنائية.
فالقضية لا تتعلق بأفضلية جيل على آخر، وإنما بالطريقة التي يتشكّل بها الوعي، وبالمسارات التي يسلكها العقل وهو يتعرّف على العالم ويصوغ أسئلته ومواقفه وانفعالاته.
كان الكتاب، بالنسبة إلى أجيالٍ طويلة، أكثر من وعاء للمعرفة.
كان رفيقًا يتطلب وقتًا وصبرًا وعلاقةً خاصة مع اللغة.
من يقرأ كتابًا كان يدخل إلى عالمه بشروطه، فيتقدّم صفحةً بعد صفحة، ويمنح الفكرة فرصةً كافية كي تنمو داخله.
وكان القارئ يشارك الكاتب رحلةً كاملة، تبدأ من السؤال وتمضي عبر التأمل والاستنتاج والاحتمال.
لذلك لم تكن القراءة مجرد تحصيل معلومات، وإنما تدريبًا متواصلًا على الإصغاء والتأنّي ومقاومة الاستعجال.
وحين ننظر إلى كثير من أبناء ذلك الجيل، نلاحظ أن علاقتهم بالأفكار كانت تميل إلى العمق أكثر من السرعة.
كانوا يختلفون ويتجادلون ويخطئون ويصيبون، لكنهم اعتادوا مرافقة الفكرة لمسافة طويلة قبل إصدار الأحكام عليها.
وكانت المكتبات العامة والخاصة جزءًا من المشهد اليومي، كما كانت الصحف والمجلات الثقافية منافذ أساسية لفهم ما يجري حولهم.
وحتى من لم يكن قارئًا نهمًا، كان يعيش داخل بيئة تمنح الكلمة المكتوبة مكانةً كبيرة.
أما الجيل الذي نشأ في حضن الخوارزميات، فقد وجد نفسه أمام مشهد مختلف تمامًا.
المعرفة لم تعد تسكن رفوفًا محددة، وإنما تتدفق من كل اتجاه.
الهاتف الصغير الذي يحمله في يده يفتح له أبوابًا لا حصر لها، ويضع بين أنامله ما لم يكن متاحًا لأجيال كاملة من الباحثين والقراء.
وهذا مكسب هائل لا يجوز التقليل من شأنه.
فالوصول إلى المعلومة أصبح أسهل، والتواصل مع الثقافات الأخرى أصبح أكثر مباشرة، والقدرة على التعلّم الذاتي اتسعت على نحو غير مسبوق.
غير أن الخوارزمية ليست وسيطًا محايدًا تمامًا.
إنها تقترح وتختار وترتّب وتكرّر.
وهي تتعلّم من سلوك المستخدم ثم تعيد تشكيل هذا السلوك في دورة مستمرة.
وهنا يكمن الفارق العميق.
فالكتاب كان يذهب بالقارئ إلى مناطق لم يكن يتوقعها أحيانًا، بينما تميل الخوارزمية إلى إعادته إلى ما يشبهه ويوافق اهتماماته السابقة.
ومع الوقت قد يجد المرء نفسه محاطًا بأصداء آرائه أكثر من مواجهته بآراء مختلفة.
ولذلك يبدو أن الفارق الحقيقي بين الجيلين لا يكمن في كمية المعرفة المتاحة، وإنما في طريقة الوصول إليها.
جيل الكتب كان يبحث عن المعلومة، وجيل الخوارزميات كثيرًا ما تأتيه المعلومة وهي تبحث عنه.
الأول كان يختار طريقه في الغالب، والثاني يجد طرقًا كثيرة تُرسم له مسبقًا.
وبين الحالتين تتغيّر طبيعة الانتباه، وتتغيّر علاقة العقل بالوقت، وتتبدّل آليات التلقي والحكم.
ومع ذلك فإن اختزال الصورة في ثنائية قديمة وحديثة يظلم الطرفين.
فكم من قارئ عاش بين الكتب من دون أن يكتسب وعيًا نقديًا، وكم من شاب نشأ بين المنصات الرقمية واستطاع أن يبني ثقافةً واسعة ورؤيةً مستقلة.
الأدوات لا تصنع العقول وحدها، لكنها تؤثر في طرائق عملها وفي المساحات التي تتحرك داخلها.
وربما كان التحدي الأهم اليوم هو أن نمنح الأجيال الجديدة فرصة الجمع بين الحسنيين: صبر الكتاب واتساع الفضاء الرقمي، وعمق القراءة وسرعة الوصول إلى المعرفة، والقدرة على التأمل مع القدرة على التفاعل.
فالمشكلة ليست في الخوارزميات ذاتها، كما أن الكتب لم تكن يومًا وصفةً سحرية لإنتاج الوعي.
القضية تتعلق بقدرتنا على أن نبقى أصحاب قرار في ما نقرأ ونشاهد ونتابع، وألا نترك مهمة تشكيل وعينا بالكامل لما تقترحه علينا الشاشات.
فكل جيل يحمل أدوات عصره، وكل عصر يترك بصمته على أبنائه، غير أن السؤال الذي سيبقى مطروحًا دائمًا هو: من الذي يقود الآخر؟ هل نستخدم الوسيلة لنوسّع أفقنا، أم تسمح لنا الوسيلة برؤية الجزء الذي تختاره لنا من العالم؟ بين رفّ كتاب قديم وخوارزمية حديثة تتحدد الإجابة، ويتحدد معها شكل الوعي الذي سيكتب تاريخ السنوات القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك