عندما اندلعت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/ شباط الماضي، كانت التقارير ترجح أن تكون الصين، أكبر مشترٍ عالمي للنفط، من أكثر المتضررين نظراً لاعتمادها على نفط الخليج وإيران والعراق بشكل خاص، لكن مسار الحرب وإغلاق مضيق هرمز على مدى أكثر من ثلاثة أشهر، أظهر أن الصين لم تتأثر كثيراً، بل على العكس كان تراجع الطلب الصيني هو أحد أسباب عدم قفز أسعار النفط إلى التقديرات المتشائمة في حدود 200 دولار.
ومن المتوقع أن يستمر الطلب الصيني على المنوال نفسه، فمع النص في الاتفاق الأميركي الإيراني على إعادة فتح مضيق هرمز، وانسياب حركة النفط بشكل شبه طبيعي، لا يُنتظر أن يتزايد الطلب الصيني كثيراً.
ويكشف تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أمس الأحد، أن الصين تجد نفسها في وضع مختلف تماماً عن معظم دول العالم التي خرجت، بعد حرب إيران، بمخزونات نفطية مستنزفة.
فخزانات الخام التي تحتفظ بها شركات الطاقة المملوكة للدولة الصينية لا تزال شبه ممتلئة.
ويبدو أن بكين لم تسحب من احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة، كما أن مستودعات التخزين في المصافي الصينية ممتلئة بالبنزين والديزل ومنتجات نفطية مكررة أخرى.
وفي وقت سابق أعلنت الصين أنها خفّضت وارداتها اليومية من النفط بنحو الثلث خلال الحرب.
وساهم هذا التراجع، الذي كان مدفوعاً إلى حد كبير بارتفاع الأسعار، في تخفيف بعض الضغوط الصعودية عن أسواق النفط العالمية، الناتجة عن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز طوال فترة الحرب.
وحسب خبراء، نقلت عنهم الصحيفة، فإن الصين تمكّنت من خفض وارداتها بهذا الشكل الحاد جزئياً، لأنها كانت تشتري في السابق كميات من النفط تفوق احتياجاتها.
وعلى مدى سنوات، كانت تراكم المخزونات عندما تنخفض الأسعار، في إطار سعي أوسع لتعزيز الاكتفاء الذاتي المحلي، وتحسين قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمدادات.
وتقوم الصين أيضاً باستيراد نفط إضافي لتقليل فائضها التجاري.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت بكين بشكل متزايد في توجيه فائض احتياطاتها من النقد الأجنبي إلى تخزين سلع مثل النفط، بدلاً من إيداعها في البنوك الأجنبية، أو شراء سندات الخزانة الأميركية والأوروبية، وذلك بعد أن شاهدت الحكومات الغربية تجميد الأصول المالية الروسية عقب غزو أوكرانيا، قبل أربع سنوات.
ولا يتوقع عدد من المحللين أن تعود الصين بسرعة إلى وتيرة وارداتها السابقة، خصوصاً أن أسعار النفط العالمية لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل حرب إيران.
وقد كانت المفارقة في الحالة الصينية على مدى أسابيع الحرب والقلق في الأسواق، هي احتفاظ الشركات الصينية بتشغيل مصافيها طوال فترة الحرب، من خلال الاعتماد على مخزوناتها المؤسسية الكبيرة من النفط الخام، لكن الطلب في الصين على البنزين والديزل ووقود الطائرات والمنتجات المكررة الأخرى يبدو أنه تراجع مع ارتفاع الأسعار وتزايد حذر الأسر والشركات في استهلاك الوقود.
ووفق الأرقام فقد تراجعت مبيعات السيارات التي تعمل بالبنزين بشكل حاد في إبريل/نيسان ومايو/أيار.
وفي الوقت نفسه، أوقفت الحكومة الصينية معظم صادرات المنتجات النفطية المكررة هذا الربيع، لضمان توافر الإمدادات المحلية بشكل كافٍ.
وساهم هذا الإجراء في حدوث نقص حاد بأماكن أخرى من آسيا، خاصة في الدول النامية ذات القدرة المحدودة على التكرير.
وكانت الصين قد تجاوزت الولايات المتحدة في عام 2024 لتصبح أكبر مُكرّر للنفط في العالم، وهي عادة مورد رئيسي للوقود المكرر للدول المجاورة.
وقد أدى الجمع بين ضعف الطلب المحلي ووقف الصادرات إلى امتلاء خزانات التخزين إلى درجة كبيرة بالبنزين والديزل ووقود الطائرات، وغيرها من المنتجات، بحيث لم تعد شركات النفط تجد حافزاً كبيراً لشراء وتكرير المزيد من الخام، وفقاً للمحللين.
وقالت ميويو شو، كبيرة محللي النفط في خدمة البيانات كبلر، إنها لا تتوقع" أن يتعافى استيراد الصين للنفط الخام بشكل هيكلي إلى مستويات ما قبل الحرب في أي وقت قريب".
وقد ترتفع الواردات إذا قررت بكين فجأة السماح بصادرات غير مقيدة من المنتجات المكررة التي تعاني من نقص في أماكن أخرى، لكن الدولة، صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم، طالما اتبعت نهجاً حذراً في سياسات الطاقة، كما لا يزال هناك قدر من عدم اليقين بشأن مدى سرعة إزالة أي ألغام بحرية قد تكون إيران زرعتها في المضيق، وما إذا كان الاتفاق الأميركي - الإيراني سيصمد، إذا استمرت المفاوضات بنجاح طيلة الستين يوماً المتفق عليها بين الجانبين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك