لم تكن قمة سويسرا مجرد جولة تفاوضية عابرة، بل تحولت إلى طوق نجاة دولي، أعاد واشنطن وطهران إلى طاولة العقل بعد أسابيع من التراشق والوعيد الحاد، ففى الوقت الذى كانت فيه مؤشرات أسواق النفط العالمية تتأرجح بعنف، وتصريحات قادة الحروب تقرع طبول الصدام، كانت بحيرة" لوسيرن" السويسرية ترسم مشهداً مغايراً تماماً، فوسط الضباب والهدوء الأوروبى الساحر، نجحت الدبلوماسية فى غزل خيوط رفيعة من الأمل، بعد أن اختتمت قطر وباكستان جولة شاقة من المحادثات السياسية رفيعة المستوى بين الخصمين اللدودين؛ واشنطن وطهران، لتبدأ من هناك رحلة البحث عن" سلام الممكن" فى منطقة لا تهدأ.
هندسة سياسية جديدة.
سباق الستين يوماًلم تكن أروقة القمة السويسرية مجرد غرف لإلقاء الخطابات، بل تحولت إلى ورشة عمل حقيقية لإعادة صياغة توازنات المنطقة.
فقد اتفقت الأطراف المجتمعة على تشكيل لجنة سياسية رفيعة المستوى للإشراف المباشر على عملية الوساطة، ووضعت في الوقت ذاته" خارطة طريق" واضحة المعالم، هدفها الحاسم هو تحويل مذكرة التفاهم المؤقتة إلى اتفاق نهائي شامل في غضون ستين يوماً فقط؛ شهران من الزمن سيكونان بمثابة اختبار النوايا الأخير بين البيت الأبيض ومجمع" باستور" في طهران، حيث ستتولى مجموعات عمل متخصصة تفكيك العقد الفنية المعقدة للملف النووي ومراقبة آليات رفع العقوبات بصرامة.
ولأن الشريان الاقتصادي للعالم كان يختنق بفعل الغموض الملاحي، فقد قطعت القمة السويسرية الشك باليقين من خلال خطوة تنفيذية بالغة الأهمية.
البيان المشترك أعلن عن ولادة" خط اتصال مباشر وسريع" بين الأطراف المعنية، بمثابة خط ساخن يهدف إلى منع أي سوء فهم ميداني في مياه الخليج، وضمان العبور الآمن والمستقر لخلية ناقلات الطاقة عبر مضيق هرمز الدولي، وهي خطوة نزعت فتيل التوتر البحري الذي حبس أنفاس أسواق النفط والتأمين طوال الساعات الماضية.
جبهة لبنان.
خلية لمنع الاحتكاكالامتداد الإقليمي للأزمة كان حاضراً بقوة فوق طاولة لوسيرن؛ إذ لم تغفل الوفود المتفاوضة جبهة جنوب لبنان المشتعلة، فجاء القرار بإنشاء" خلية عمل خاصة لتفادي الصدام العسكري".
هذه الخلية، التي تميزت بضم الأطراف المعنية بالإضافة إلى دولة لبنان بالاسم، ستكون بمثابة عين المراقبة الميدانية والصوت الذي يرفع تقارير الالتزام بوقف العمليات العسكرية، لضمان ألا تتحول الجبهة اللبنانية إلى صاعق تفجير يطيح بالمذكرة الكبرى.
أنفاس محبوسة على طريق السلامغادرت الوفود سويسرا تاركةً خلفها فرقاً فنية ستواصل الغوص في التفاصيل طوال الأسبوع، ومع انقشاع ضباب الجولة الأولى، تظل الأجواء الإيجابية التي تحدث عنها الوسيطان، القطري والباكستاني، معلقة برهان الالتزام؛ لقد أثبتت واشنطن وطهران براغماتية واضحة باللجوء إلى الحلول السلمية، لكن الستين يوماً القادمة وحدها كفيلة بالإجابة: هل تنجح جبال سويسرا الباردة في إطفاء نيران الشرق الأوسط المستعرة، أم أن الشياطين الكامنة في تفاصيل الملفات ستعيد الجميع إلى مربع البارود؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك