ترى صحيفتا الغارديان وإندبندنت البريطانيتان أن الاتفاق الذي أبرمته أمريكا مع إيران مؤخرا كشف عن تحول إستراتيجي قد يعيد رسم العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ويضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام أخطر أزمة سياسية في مسيرته.
وفي مقال بالغارديان، اعتبر المعلق المختص بالشؤون الخارجية سايمون تيسدال أن نتنياهو هو" الخاسر الأكبر" من الاتفاق، وأن تداعياته قد لا تقتصر على إنهاء مستقبله السياسي، بل قد تؤذن بنهاية مرحلة كاملة من الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.
list 1 of 2كيف حوّل اتفاق إيران أكبر أوراق قوة ترمب إلى نقاط ضعف؟list 2 of 2بعد صمت المدافع.
كيف يفكر الجميع في مآلات حرب إيران؟ويصف الكاتب نتنياهو بأنه الرجل الذي" وضع الشرق الأوسط تحت السيف"، معتبرا أن تعامله مع مختلف ملفات المنطقة، من غزة ولبنان إلى إيران، استند إلى مبدأ واحد هو" العنف المفرط وغير القانوني الذي كان يؤدي دائما إلى تفاقم الأوضاع".
ويرى تيسدال أن الحرب على إيران كانت التعبير الأقصى عن هذه العقيدة، لكنها انتهت إلى الفشل بعدما عجزت عن تحقيق أهدافها الرئيسية المتمثلة في إسقاط النظام الإيراني أو القضاء على برنامجه النووي والصاروخي.
ويضيف أن نتنياهو أصبح يدفع ثمن رهانه على جر الولايات المتحدة إلى حرب شاملة ضد إيران، إذ يُحمّل البيت الأبيض وقطاع متزايد من الرأي العام الأمريكي الحكومة الإسرائيلية مسؤولية التورط في حرب بنيت على وعود بانهيار سريع للنظام الإيراني لم تتحقق.
ويشير الكاتب إلى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعدما تآكل الإجماع التقليدي الداعم لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
ويعود بجذور هذا التحول إلى عام 2015، عندما قاد نتنياهو حملة واسعة لإفشال مساعي الرئيس الأسبق باراك أوباما للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.
ويرى تيسدال أن سياسات نتنياهو اللاحقة، وعلى رأسها توسيع الاستيطان والتحالف مع اليمين المتطرف والحروب المتتالية في غزة ولبنان وإيران، ساهمت في تسريع هذا التحول، حتى بات الأمريكيون، لأول مرة، أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين من الإسرائيليين، وسط تنامي المطالب بوقف أو تقييد المساعدات العسكرية الأمريكية لتل أبيب.
في المقابل، يقدم سام كيلي، محرر الشؤون الدولية في صحيفة إندبندنت، قراءة أوسع لجذور الأزمة الحالية، معتبرا أن الخلاف الظاهر بين إدارة ترمب ونتنياهو لا يعني بالضرورة انفصال واشنطن عن اليمين الإسرائيلي، لأن نفوذ هذا التيار متجذر منذ عقود داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
ويشير إلى وثيقتين لعبتا دورا محوريا في تشكيل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
الأولى هي وثيقة" الانفصال الكامل: إستراتيجية جديدة لتأمين المملكة"، التي أعدها عام 1996 فريق من المحافظين الجدد بقيادة ريتشارد بيرل لصالح نتنياهو خلال ولايته الأولى.
ودعت الوثيقة إلى اعتماد مبدأ" الضربات الاستباقية" وإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين باعتباره خطوة لتعزيز أمن إسرائيل.
أما الوثيقة الثانية فهي" إسرائيل 2048: مخطط لقوة جيوسياسية صاعدة"، التي تدعو إلى دعم حرب لإسقاط النظام الإيراني وتعزيز موقع إسرائيل باعتبارها" الدعامة الحضارية للغرب".
ويقول كيلي إن هذه الرؤية باتت تحظى بانتشار واسع داخل واشنطن، لأنها تتلاقى مع أفكار القوميين المسيحيين والإنجيليين الذين يمثلون إحدى أكثر القواعد الانتخابية ولاء لترمب.
لكن الكاتب يحذر من أن المشروع ذاته بات مهددا بسبب سياسات إسرائيل العسكرية.
فعلى الرغم من تمسك ترمب باتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان، مما يهدد بنسف التسوية بأكملها.
أفول حلم" إسرائيل الكبرى"وفي هذا السياق، ينقل كيلي عن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، انتقاده لبعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، مشيرا إلى أن ذلك الموقف يعكس حجم التوتر المتزايد بين واشنطن وتل أبيب، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة.
وفي المحصلة، يتفق الكاتبان على أن اتفاق إيران يمثل نقطة تحول تاريخية؛ فنتنياهو الذي راهن على نصر شامل وجد نفسه محاصرا بين خيارين أحلاهما مر: إما تحدي ترمب والمخاطرة بإشعال حرب جديدة، أو الرضوخ للمطالب الأمريكية وخسارة ما تبقى من رصيده السياسي.
كما أن الشرخ الحالي قد يشكل بداية أفول حلم" إسرائيل الكبرى"، ويعيد إدماج إيران تدريجيا في النظام الإقليمي، بينما تدخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية مرحلة من عدم اليقين لم تشهدها منذ عقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك