تتجه حكومات عدة حول العالم إلى فرض قيود أو حظر على استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، مستندة إلى خطاب عام يقول إن تقليل وقت الشاشة سيحسن الصحة النفسية للشباب ويحد من القلق والاكتئاب.
غير أن دراسة أكاديمية حديثة تكشف أن هذا الافتراض، رغم انتشاره السياسي والإعلامي، لا يستند إلى أدلة تجريبية مباشرة على الفئة التي تستهدفها هذه القوانين.
الدراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «فرونتيرز إن ديفيلوبمنتال سايكولوجي» تحت عنوان «لا نعرف كيف سيؤثر حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، لكننا نطبقه على أي حال»، وأعدها كل من مونيكا نيف ليند وستيفن شولر وكانديس أودجرز من قسم علم النفس في جامعة كاليفورنيا في إيرفاين.
وتكمن أهميتها في أنها لا تكتفي بمناقشة العلاقة العامة بين وسائل التواصل والصحة النفسية، بل تراجع تحديداً الأدلة التجريبية التي يُفترض أن تستند إليها سياسات الحظر.
وتخلص الدراسة إلى أن هذه السياسات تُطبق حالياً على الأطفال والمراهقين رغم أن الدراسات التي يُستند إليها لم تختبر فعلياً هذه الفئة العمرية.
فجوة أساسية بين السياسة والدليل العلميتبدأ المشكلة من الفجوة بين ما تقوله السياسات العامة وما تقيسه الدراسات المتاحة.
فالحكومات التي تفرض أو تدرس حظر وسائل التواصل على من هم دون سن معينة تقدم القرار باعتباره استجابة علمية لأزمة الصحة النفسية لدى الشباب.
لكن الدراسة تشير إلى أن الأدلة التجريبية المتوافرة لا تسمح بهذا القدر من اليقين.
فالعلاقة بين استخدام وسائل التواصل والصحة النفسية لدى المراهقين ما تزال، بحسب مراجعات علمية عدة، صغيرة وغير ثابتة ومتأثرة بعوامل كثيرة، من بينها الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ونوع الاستخدام، وطبيعة التجربة الرقمية نفسها، لا مجرد عدد الساعات.
هذا لا يعني أن وسائل التواصل بلا أثر، ولا ينفي احتمال وجود أضرار حقيقية في حالات معينة، لكنه يعني أن تحويل العلاقة المعقدة إلى معادلة بسيطة من نوع «احظروا المنصات تتحسن الصحة النفسية» يتجاوز ما تثبته البيانات.
فالسياسة هنا تتحرك أسرع من العلم، وتتعامل مع نتيجة غير محسومة كما لو أنها حقيقة مستقرة.
دراسات لم تختبر من تستهدفهم القوانينراجعت الدراسة أربعين تجربة عشوائية محكمة تناولت أثر تقليل أو منع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الرفاه النفسي والصحة النفسية.
وهذه النوعية من الدراسات تُعد عادة أقوى من الدراسات الرصدية، لأنها تقارن بين مجموعات يُطلب من بعضها تقليل الاستخدام أو التوقف عنه، بينما تستمر مجموعات أخرى في الاستخدام المعتاد.
لكن النتيجة الأهم أن أياً من هذه التجارب لم يشمل أطفالاً أو مراهقين صغاراً من الفئات التي تستهدفها قوانين الحظر.
لم تُسجل أي دراسة متوسط عمر للمشاركين أقل من 18 عاماً، ولم يظهر في مجمل الدراسات مشارك يقل عمره عن 16 عاماً.
وحتى الدراسات القليلة التي تضمنت من هم دون 18 عاماً اعتمدت غالباً على عينات جامعية، ما يعني أن المشاركين كانوا أقرب إلى طلبة جامعات لا إلى أطفال المدارس أو المراهقين الأصغر سناً.
هذا التفصيل يغير معنى النقاش بالكامل.
فالمشكلة ليست فقط في أن الأدلة غير كاملة، بل في أن الفئة التي ستتحمل نتائج الحظر لم تكن حاضرة في التجارب التي تُستخدم لتبريره.
لذلك يصبح الحديث عن «سياسة مبنية على العلم» دقيقاً فقط إذا أُضيفت إليه ملاحظة أساسية: العلم المتاح لم يختبر الأطفال المعنيين بهذه السياسة.
فوائد محدودة ونتائج غير حاسمةحتى عند النظر إلى نتائج البالغين وطلبة الجامعات، لا تبدو الفوائد النفسية لتقليل وسائل التواصل قوية بما يكفي لتبرير استنتاجات حاسمة.
تشير الدراسة إلى أن التحليلات السابقة لهذه التجارب وجدت أن متوسط الأثر إما قريب من الصفر أو صغير الحجم.
كما أن بعض الدراسات أظهرت تحسناً محدوداً، بينما لم تجد أخرى أي أثر، وسجلت مجموعة أخرى تراجعاً في بعض مؤشرات الرفاه النفسي بعد تقليل استخدام وسائل التواصل.
هذا التباين مهم لأن الخطاب السياسي غالباً ما يقدم الحظر بوصفه تدخلاً واضح النتائج.
غير أن الأدلة لا تقول ذلك.
فهي لا تقدم صورة واحدة متماسكة تؤكد أن تقليل الاستخدام يؤدي بالضرورة إلى صحة نفسية أفضل.
بل تكشف أن أثر المنصات يختلف باختلاف الأشخاص والسياقات وأنواع الاستخدام، وأن بعض المستخدمين قد يخسرون أيضاً مصادر دعم أو تواصل أو معلومات عند قطع علاقتهم بهذه المنصات.
الفرق بين تجربة قصيرة وحظر شاملتشير الدراسة إلى مشكلة منهجية إضافية تتعلق بطبيعة التجارب نفسها.
فمعظم الدراسات لم تختبر حظراً كاملاً أو طويل المدى كما تفعل القوانين الجديدة.
مدة التقييد تراوحت بين يوم واحد وثلاثة أشهر، وكان متوسطها نحو 16 يوماً فقط، كما أن نصف الدراسات تقريباً لم تطلب من المشاركين التوقف الكامل عن استخدام وسائل التواصل، بل فرضت تقليلاً جزئياً أو حدوداً زمنية يومية.
هذا يعني أن النتائج المتوافرة لا تشبه واقع سياسة وطنية تمنع فئة عمرية كاملة من امتلاك حسابات على منصات التواصل.
فالتوقف المؤقت والطوعي أو شبه الطوعي في تجربة بحثية لا يمكن مساواته بحظر قانوني واسع، خصوصاً عندما يكون موجهاً إلى مراهقين يمرون بمرحلة حساسة من تكوين الهوية والاستقلالية والعلاقات الاجتماعية.
الحظر قد لا يمنع الاستخدام فعلياًمن أبرز ما تطرحه الدراسة أن نجاح الحظر لا يجب قياسه فقط من زاوية الصحة النفسية، بل من زاوية أبسط: هل سيمنع الحظر المراهقين فعلاً من استخدام وسائل التواصل؟ الباحثون يشككون في ذلك، لأن تطبيق هذه السياسات يحتاج إلى آليات تحقق من العمر يصعب تنفيذها بدقة وعدالة، وقد تثير مشكلات متعلقة بالخصوصية والتمييز والوصول غير المتكافئ إلى الوثائق الرسمية أو تقنيات التحقق.
وتزداد المشكلة عندما يدفع الحظر المراهقين إلى الالتفاف عليه.
ففي حال استخدموا حسابات مزيفة أو تصفحوا المنصات دون تسجيل دخول، قد يبقون معرضين للمحتوى نفسه لكن من دون أدوات الحماية المرتبطة بحسابات القاصرين، مثل فلاتر المحتوى والرقابة الأبوية وبعض إعدادات السلامة.
هنا لا يؤدي الحظر إلى بيئة رقمية أكثر أماناً، بل قد ينقل الاستخدام إلى مساحة أقل وضوحاً وأصعب على الأهل والمؤسسات متابعتها.
تقرأ الدراسة الحظر أيضاً من زاوية نفسية وتنموية.
فالمراهقة مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى الاستقلالية والاحترام والمكانة الاجتماعية، ولذلك فإن القرارات الفوقية الصارمة قد تُفهم من قبل الشباب بوصفها تدخلاً مسيطراً لا يراعي قدرتهم المتنامية على اتخاذ القرار.
وترى الدراسة أن هذا النوع من القيود قد يؤدي إلى مقاومة وخرق للقواعد وإخفاء السلوك بدلاً من الالتزام الحقيقي.
هذه النقطة لا تعني أن المراهقين يجب أن يُتركوا وحدهم في الفضاء الرقمي، لكنها تشير إلى أن الطريقة التي تُبنى بها السياسة تؤثر في نتائجها.
فالمنع الصارم قد يضعف الثقة بين المراهقين والبالغين، بينما تحتاج الحماية الفعالة إلى مشاركة وفهم وتدرج وتعليم رقمي، لا إلى إقصاء كامل قد يدفع السلوك إلى الخفاء.
خسارة موارد تعليمية ومجتمعيةتحذر الدراسة من أن وسائل التواصل ليست مجرد فضاء للترفيه أو المقارنة الاجتماعية أو المحتوى الضار.
فهي أيضاً قناة تستخدمها المدارس والنوادي والمؤسسات الشبابية لنشر الإعلانات والفرص والأنشطة والمواعيد والموارد التعليمية.
وعندما تمنع السياسات المراهقين من الوصول إلى هذه المنصات، فإنها قد تقطع عنهم في الوقت نفسه بعض قنوات المعلومات والدعم والمشاركة المجتمعية.
هذا الجانب غالباً ما يغيب عن النقاش العام، لأن وسائل التواصل تُختزل في صورتها السلبية فقط.
لكن الدراسة تدفع باتجاه قراءة أكثر واقعية: المنصات تحمل مخاطر، لكنها تؤدي أيضاً وظائف اجتماعية وتعليمية ومجتمعية.
لذلك فإن الحظر الشامل قد يعالج جانباً من المشكلة على الورق، بينما يخلق مشكلات أخرى في الواقع.
ما الذي يجب قياسه قبل الحكم على الحظر؟ترى الدراسة أن أي سياسة حظر يجب أن تُعامل كتجربة عامة تحتاج إلى تقييم صارم، لا كحل مثبت مسبقاً.
وهذا التقييم يجب أن يبدأ من قياس ما إذا كان الحظر يغير فعلاً سلوك المراهقين على الإنترنت، ثم ينتقل إلى قياس نوع المحتوى الذي يتعرضون له، وطبيعة تجاربهم الرقمية، وصحتهم النفسية على المدى القصير والطويل، وقدرتهم على اكتساب مهارات التعامل مع البيئة الرقمية عندما يصبحون أكبر سناً.
وتؤكد الدراسة أن الاكتفاء بسؤال المراهقين عن شعورهم في استبيان واحد لا يكفي.
فالتقييم الجاد يحتاج إلى مصادر متعددة، تشمل تقارير الشباب أنفسهم، وملاحظات الأهل والمعلمين، وبيانات أكثر موضوعية عن الاستخدام الفعلي، إلى جانب مؤشرات إيجابية وسلبية للصحة النفسية، مثل الرضا عن الحياة والقدرة على الأداء وتحقيق الأهداف، مقابل التوتر والقلق والاكتئاب.
قرار كبير تحت لافتة «غير مختبر»تصل الدراسة إلى خلاصة واضحة: حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب تدخل غير مختبر حتى الآن.
الأدلة التجريبية المتاحة لا تشمل الأطفال والمراهقين الذين تستهدفهم هذه القوانين، والنتائج المستخلصة من البالغين وطلبة الجامعات متباينة ومحدودة، كما أن الحظر نفسه قد لا ينجح في تغيير السلوك أو قد يدفعه إلى مسارات أقل أماناً.
لذلك لا تنفي الدراسة الحاجة إلى حماية الأطفال رقمياً، لكنها ترفض تقديم الحظر الشامل كحل مثبت علمياً.
والبديل الذي تطرحه ليس ترك المنصات بلا تنظيم، بل بناء تدخلات أكثر دقة واختبارها بصرامة، مع التركيز على جعل البيئة الرقمية أكثر أماناً للمراهقين بدلاً من الاكتفاء بإبعادهم عنها.
ففي قضية تمس ملايين العائلات، لا يكفي أن تبدو السياسة مطمئنة سياسياً؛ يجب أن تكون قابلة للإثبات علمياً أيضاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك