دخل التوتر بين إيران والولايات المتحدة مرحلة دقيقة، بعدما انتقلت المواجهة من منطق التصعيد المفتوح إلى مسار تفاوضي حذر، ترعاه وساطات إقليمية ودولية، في محاولة لتفادي انفجار أوسع قد ينعكس على أمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية.
وتشير آخر المعطيات إلى أن جولة من المحادثات بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين في سويسرا أحرزت ما وُصف بـ”تقدم مشجع”، غير أن هذا التقدم لا يعني نهاية الأزمة، بقدر ما يعكس محاولة لوضع خريطة طريق مؤقتة تمنع عودة التصعيد العسكري وتفتح الباب أمام مفاوضات تقنية أوسع.
وتبقى الملفات المطروحة ثقيلة ومعقدة، من البرنامج النووي الإيراني، إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز، مرورا بالتصعيد الإقليمي المرتبط بلبنان وإسرائيل، وصولا إلى العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة وصادرات النفط.
تقدم دبلوماسي لا يلغي التوترالمحادثات الأخيرة منحت مؤشرا على أن الطرفين لا يريدان، في هذه المرحلة، الذهاب إلى مواجهة مباشرة مفتوحة.
لكن ذلك لا يعني أن الثقة عادت بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة تضغط من أجل ضمانات واضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج، بينما تسعى إيران إلى انتزاع مكاسب ملموسة، خصوصا في ما يتعلق بتخفيف القيود على صادرات النفط، والإفراج عن بعض الأصول، وتقديم ضمانات بعدم العودة السريعة إلى التصعيد.
هذا يعني أن التفاوض لا يجري في فراغ، بل تحت ضغط الميدان والأسواق والرأي العام الداخلي لدى الطرفين.
مضيق هرمز.
ورقة الضغط الأخطريبقى مضيق هرمز في صلب الأزمة، لأنه ليس ممرا بحريا عاديا، بل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.
أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه ينعكس بسرعة على أسعار النفط، وعلى تكاليف الشحن والتأمين، وعلى حسابات الدول المستوردة للطاقة.
ولهذا، تحاول واشنطن وحلفاؤها منع تحول المضيق إلى سلاح دائم في يد طهران، بينما ترى إيران أن الضغط على هذا الممر يمنحها ورقة تفاوضية قوية، خصوصا عندما تشعر بأن مصالحها النفطية والمالية محاصرة.
غير أن اللعب بهذه الورقة يبقى محفوفا بالمخاطر.
فالإغلاق الكامل أو الطويل للمضيق قد يدفع إلى ردود عسكرية واقتصادية قاسية، وقد يحول الأزمة من تفاوض سياسي إلى مواجهة إقليمية واسعة.
الملف النووي يعود إلى الواجهةإلى جانب مضيق هرمز، يعود الملف النووي الإيراني كأحد أعقد محاور الخلاف.
واشنطن تريد قيودا أوضح على البرنامج النووي وضمانات تمنع انتقال الأزمة إلى مستوى أخطر، بينما تؤكد طهران أن أي تنازل نووي يجب أن يقابله رفع فعلي للعقوبات وتخفيف الضغط الاقتصادي.
وهنا تكمن عقدة التفاوض: كل طرف يريد ثمنا سياسيا وأمنيا قبل أن يقدم تنازلا كبيرا.
فالولايات المتحدة لا تريد اتفاقا يبدو ضعيفا أمام إيران، وإيران لا تريد اتفاقا يعطي انطباعا بأنها رضخت تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
الأسواق تراقب أكثر من التصريحاتالأسواق العالمية تتابع هذا الملف بحساسية كبيرة.
فكل خبر عن تقدم في المحادثات يضغط على أسعار النفط نحو التراجع، وكل تهديد جديد حول مضيق هرمز يعيد المخاوف إلى الواجهة.
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن أسعار النفط تراجعت بعد الحديث عن خريطة طريق دبلوماسية، ما يؤكد أن المستثمرين لا يتفاعلون فقط مع الوقائع العسكرية، بل مع كل إشارة سياسية قد تعني تهدئة أو تصعيدا.
لكن هذا التراجع يبقى هشا.
فإذا فشلت المحادثات أو عادت التهديدات حول الملاحة، قد تعود الأسعار إلى الارتفاع بسرعة، خصوصا في ظل اعتماد الأسواق على استقرار تدفق النفط من منطقة الخليج.
لبنان وإسرائيل ضمن الحساباتلا تنفصل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة عن التوتر الإقليمي الأوسع.
فالملف اللبناني حاضر بقوة في خلفية المحادثات، خصوصا مع استمرار الهشاشة الأمنية في المنطقة وتبادل الاتهامات بشأن خرق التهدئة أو توسيع دائرة الاستهدافات.
وتنظر واشنطن إلى النفوذ الإيراني في المنطقة باعتباره جزءا من المشكلة، بينما ترى طهران أن حضورها الإقليمي ورقة دفاع ومساومة لا يمكن فصلها عن أمنها القومي.
لذلك، فإن أي اتفاق بين الطرفين لن يكون نوويا فقط، بل قد يلامس، بشكل مباشر أو غير مباشر، قواعد الاشتباك في أكثر من ساحة إقليمية.
رغم الحديث عن تقدم مشجع، من المبكر القول إن اتفاقا نهائيا بات قريبا.
الأقرب إلى الواقع أن الطرفين يحاولان شراء الوقت وتثبيت تهدئة قابلة للحياة، ريثما تنضج التفاصيل التقنية والسياسية.
فخريطة الطريق المحتملة تحتاج إلى ضمانات، وجدولة زمنية، وآلية تحقق، وتوافق داخلي داخل كل طرف.
كما أن أي اتفاق سيواجه اختبارات صعبة: هل ستلتزم إيران بضبط التصعيد؟ هل ستقدم واشنطن تخفيفا فعليا للعقوبات؟ هل ستقبل إسرائيل بالمسار؟ وهل ستصمد التفاهمات أمام أي حادث أمني في الخليج أو لبنان؟هذه الأسئلة تجعل التفاؤل مشروطا، وتجعل الحذر ضروريا في قراءة كل إعلان دبلوماسي.
السيناريو الأول هو أن تتحول المحادثات الحالية إلى مسار تهدئة تدريجي، يبدأ بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتخفيف محدود للعقوبات، واستئناف المفاوضات التقنية حول الملف النووي.
هذا السيناريو قد يخفف الضغط على أسعار النفط، ويفتح نافذة سياسية جديدة في المنطقة.
أما السيناريو الثاني، فهو تعثر المفاوضات وعودة لغة التهديد، خاصة إذا اعتبر أحد الطرفين أن الآخر يماطل أو يحاول كسب الوقت دون تقديم تنازلات حقيقية.
في هذه الحالة، قد تعود الأزمة إلى نقطة التصعيد، وقد يصبح مضيق هرمز مرة أخرى عنوانا رئيسيا للمواجهة.
آخر مستجدات العلاقة بين إيران والولايات المتحدة تكشف أن الطرفين يتحركان على حافة دقيقة: لا يريدان حربا مفتوحة، لكنهما لم يصلا بعد إلى اتفاق يبدد جذور الأزمة.
المفاوضات في سويسرا فتحت نافذة تهدئة، لكنها لم تغلق ملفات الخلاف.
مضيق هرمز ما يزال ورقة ضغط خطيرة، والبرنامج النووي ما يزال عقدة التفاوض، والأسواق تراقب كل كلمة وكل إشارة.
وبين التفاؤل الدبلوماسي والحذر العسكري، تبقى المنطقة أمام أيام حساسة قد تحدد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو تسوية تدريجية، أم ستعود إلى تصعيد جديد يربك الخليج والعالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك