لم يتأخر العضو البارز في حزب العمال البريطاني الحاكم آندي بيرنهام عن إعلان عزمه الترشح لخلافة رئيس الوزراء كير ستارمر في زعامة الحزب ورئاسة الوزراء بعد إعلان الأخير استقالته اليوم الاثنين.
ودعا بيرنهام إلى انتقال" منظّم ومسؤول" للسلطة، وكتب على منصة إكس: " سأرشّح نفسي ضمن هذه العملية".
في المقابل، أعلن وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، الذي كان قد أشار سابقاً إلى نيّته خوض سباق الزعامة، دعمه بيرنهام، مُلمّحاً إلى إمكانية تولي الأخير زعامة الحزب من دون أي منافسة رسمية.
بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، تحدث فجر يوم الجمعة الماضي، بعد فوزه بمقعد دائرة ميكرفيلد في البرلمان، مخاطباً الشعب البريطاني كله لا ناخبي الدائرة فقط.
واستخدم تعبيرات سمعها البريطانيون كثيراً حتى فقدت معناها: " فرصة التغيير الأخيرة" و" تحوّل جذري" في السياسة ببريطانيا و" أمل الناس في المستقبل".
كل السياسيين، في الحكم والمعارضة، والناس في الشارع، يتحدثون عن التغيير، واليأس الذي كاد يتملّك بريطانيا من الأمل في حدوثه.
في هذا المناخ، يطرح بيرنهام، البالغ من العمر 56 عاماً، نفسه زعيماً ذا رؤية تقود البلاد إلى طريق العودة عن مسار يراه خاطئاً تتبعه بريطانيا بلا هدى منذ أربعة عقود، ويقول إن الصلة انقطعت خلالها بين نمو الاقتصاد واستفادة عموم الناس منه.
هيأ غضب الشعب البريطاني الساحة لبيرنهام كي يطرح نفسه زعيماً لحزب العمال ورئيساً للحكومةالفارق بين آندي بيرنهام وغيره هو أنه، الآن، في وضع يجعل فرصته أفضل لإطلاق مشروع للتغيير، أو على الأقل، وضع أول لبنة في المشروع الذي طال انتظاره.
فقد هيأ صوت الشعب البريطاني الغاضب، الذي جاء عبر الانتخابات المحلية الشهر الماضي، مما وصل إليه حاله سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، الساحة لبيرنهام كي يطرح نفسه زعيماً لحزب العمال ورئيساً للحكومة، تحيط به هالة سياسية تجعله أقرب لأن يكون المخلّص الذي يتطلع إليه البريطانيون منذ سنوات.
فقد التفّت حوله قواعد الحزب الشعبية لإعادته إلى البرلمان، كي يتأهل للمشاركة في السباق على زعامة حزب العمال.
فاستقال النائب العمالي بمجلس العموم عن دائرة ميكرفيلد جوش سايمونز ليفسح المجال ليحل محله بيرنهام، رغم أنه ليس من أهلها.
ومن المرجح أن يخوض السياسي ذائع الصيت السباق مدعوماً بحملة ممّن يعلّقون عليه الآمال، ليس في إنقاذ الحزب الحاكم فحسب، بل بريطانيا كلها بعدما صوّر أنصاره فوزه في ميكرفيلد على أنه في الواقع تصويت على أهليته للزعامة، وليس لتمثيل الدائرة فقط في البرلمان.
قبل نحو شهرين، قال آندي بيرنهام إن السياسة في بريطانيا وصلت إلى" وضع خطر لا يستطيع فيه شعبها أن يعيش حياة جيدة".
كان ذلك بمثابة إشارة إلى أنه سيحمل معه إلى 10 داونينغ ستريت خطة قابلة للتطبيق فوراً.
أوراق اعتماد بيرنهام السياسية والعملية تقول إنه فضلاً عن إدارته مدينة مانشستر الكبرى الشاسعة المهمة، كان عضواً في البرلمان ووزير دولة ووزيراً رفيع المستوى في حكومات عمالية مختلفة لسنوات عدة.
وبفضل إنجازاته على مدار تسع سنوات عمدة لمانشستر الكبرى، ثالث كبريات المدن البريطانية بعد لندن وبيرمنغهام، ذاع صيته" داعيةً" لحقوق كل مناطق بريطانيا المتساوية في الاهتمام والتنمية وتحسين حياة الناس.
رصيدُه زاد الثقة الشعبية به، ما مكّنه من الفوز بفارق هائل على مرشح حزب" إصلاح المملكة المتحدة" اليميني الشعبوي بقيادة نايجل فاراج، الذي لا يزال يفاخر بإنجازات شعبية استثنائية منحه إياها البريطانيون في الانتخابات المحلية قبل خمسة أسابيع فقط.
ويعني فوز بيرنهام السهل في ميكرفيلد أيضاً أن غضب ناخبي الدائرة، أياً تكن الأحزاب التي يؤيدونها، على حزب العمال قد استثناه، الأمر الذي يؤهله للحصول على قدر من الإجماع لم يعد يتوفر لكير ستارمر أو أي منافس آخر على زعامة الحزب الحاكم.
بالإضافة إلى هذا، غذى الفوز ثقة القواعد الشعبية لـ" العمال" بقدرته على هزيمة حزبي الإصلاح والمحافظين في الانتخابات العامة المقبلة في 2029، والبقاء في الحكم.
يطلق على مشروع الزعيم المرتقب للتغيير اسم" المانشسترية" ولكن بلمسة بيرنهام، في إشارة إلى تجربته في مانشستر الكبرى، ما جعل البعض يسميه" مشروع بريطانيا البيرنهامية"، الذي يستهدف تغيير توجه الحكم وفلسفته وطبيعة السياسة، وليس مجرد تغيير الوجوه المتحكمة في السلطة في واحدة من أهم دول العالم.
مشروع بيرنهام يتسم بمسحة يسارية واضحة تحمِّل الدولة، وليس الناس، العبء الأكبر في تمويل مشاريع التنمية والتطويرمشروع آندي بيرنهام يتسم، في ظل طغيان تيار الرأسماليين والليبرالية الجديدة، بمسحة يسارية واضحة تحمِّل الدولة، وليس الناس، العبء الأكبر في تمويل مشاريع التنمية والتطوير، في مقابل سياسات حزب العمال البطيئة المبالغة في الحذر التي يطبّقها ستارمر ووزيرة خزانته راشيل ريفز.
ولا يخفي بيرنهام، الذي لا حديث في بريطانيا إلا عنه الآن، أن مشروعه يسلتزم، كي ينجح، إجراء تغييرات هيكلية جذرية جريئة تتجاوز خوف الإدارة الحالية التي تخشى أن الجرأة في التغيير سوف تضر باستقرار الوضع المالي والنمو.
ومن مظاهر الجرأة الإعلان عن أن أي مشروع تغيير يقود بريطانيا إلى مواجهة فاعلة لمشكلاتها المستعصية يتطلب أيضاً تفكيك النظام المركزي الذي تضع فيه الحكومة في لندن كل السياسات، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها اليومية، ما يضمن تحقيق نمو اقتصادي عادل بين مختلف مناطق البلاد.
وتشمل خطة اللامركزية أيضاً إلغاء مجلس اللوردات فوراً، وليس تدريجياً كما تصر حكومة ستارمر، على أن يحل محله مجلس شيوخ منتخب يمثل الأقاليم ودول المملكة المتحدة الأربع (إنكلترا، ويلز، اسكتلندا، أيرلندا الشمالية).
كما تقترح تطبيق نظام التمثيل النسبي في الانتخابات العامة، ما يعطي الأحزاب عدد مقاعد في البرلمان يعكس عدد الأصوات التي يحصل عليها في التصويت.
أما أكثر ما يمس شواغل البريطانيين في خطة بيرنهام، فهو وعده بثورة غير مسبوقة في تاريخ بريطانيا الحديث، تعيد النظر في النظام الضريبي بحثاً عن وسائل توجِد بدائل ضريبية، تضمن أن تستهدف الضرائب، بالدرجة الأولى، الأغنياء وليس الطبقة الكادحة.
التحدي الأكبر لبرنامج بيرنهام هو كيفية تمويل الخدمات التي قد تفرض عليه المواجهة مع الرأسماليين والليبراليين الجدد، ومنهم زعيم حزب العمال رئيس الوزراء السابق توني بلير.
فالبرنامج مؤسس على أن أيّ نمو اقتصادي لا بد أن يقترن باستفادة تعمّ المجتمع وتضمن تطوّره، ويشمل مبادرة هي أقرب إلى التأميم، وليس التأميم الكامل، لزيادة سيطرة الدولة على قطاعات حيوية وأهمها الطاقة والمياه، والتوسع في بناء الدولة المساكن الاجتماعية ذات الإيجارات المحتملة، ما يرمي بيرنهام في أتون صراع يتوقع أن يكون شرساً مع دعاة حرية السوق المطلقة، التي تمكن من سيطرة رأس المال الذي يعطي الأولوية للأرباح على حساب حياة البريطانيين.
غير أن كل ما صدر عن حملة بيرنهام، حتى الآن، يستبعد أي احتمال لاستعداده للتراجع عن ثورة تنبئ بأن الأسابيع المقبلة حاسمة ليس لحزب العمال فقط بل لبلد يبحث عمّن يخرجه من المأزق الحالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك