إيلاف من لندن: غالباً ما توصف السياسة بأنها فن الإقناع، لكنها في الواقع كثيراً ما تكون فن الحساب.
لم يكن سقوط كير ستارمر نتيجة خطاب واحد، أو فشل سياسة واحدة، أو حتى خسارة انتخابية فرعية واحدة.
بل حدث عندما توصل عدد كبير جداً من نواب حزب العمال إلى قناعة بأن الفوز في الانتخابات العامة المقبلة لم يعد ممكناً تحت قيادته.
وما إن انتشرت هذه القناعة داخل الكتلة البرلمانية للحزب، حتى أصبح الأمر مسألة أرقام وحسابات أكثر منه مسألة ولاء.
وكان أوضح مؤشر على دخول وستمنستر مرحلة جديدة هو إلغاء داونينغ ستريت الإحاطة الصحفية المعتادة للصحفيين البرلمانيين صباح اليوم (والتي تُعقد عادة عند الساعة 11: 30).
ومن المتوقع ألا تُعقد الإحاطة التالية إلا بعد اجتماع مجلس الوزراء يوم الثلاثاء.
وقد يبدو القرار إجرائياً، لكنه يحمل دلالة سياسية مهمة؛ فهو اعتراف بأن الأمور لم تعد تسير كالمعتاد.
فرئيس الوزراء أعلن رحيله، والحزب الحاكم يستعد لاختيار خليفة له، ومركز الثقل السياسي بدأ بالفعل بالانتقال إلى مكان آخر.
لم تأتِ استقالة ستارمر نتيجة أزمة واحدة بعينها، بل كانت انعكاساً لتراكم فقدان الثقة به بين نواب حزب العمال، الذين ازداد اقتناعهم بأنه غير قادر على قيادتهم إلى الانتخابات المقبلة.
فمشكلة غلاء المعيشة بقيت بلا حل، والهجرة واصلت تصدر النقاش العام، كما أضعفت سلسلة من التراجعات السياسية سلطته، فيما عززت النتائج الانتخابية المخيبة في إنجلترا وويلز واسكتلندا المخاوف من أن الأغلبية البرلمانية للحزب أصبحت أكثر هشاشة.
وفي النهاية، كان العامل الحاسم هو الحسابات السياسية؛ إذ خلص عدد كبير من النواب إلى أن مقاعدهم قد تكون أكثر أمناً تحت قيادة مختلفة.
ينتقل المسار الرسمي الآن إلى اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال، التي يُتوقع أن تحدد جدول المنافسة على القيادة في التاسع من يوليو.
لكن أكثر ما يلفت الانتباه منذ إعلان ستارمر استقالته هو السرعة التي انتقل بها النقاش من التساؤل حول ما إذا كان عمدة مانشستر السابق آندي بورنهام سيترشح، إلى التساؤل عمّا إذا كان هناك أي شخص سيترشح ضده أصلاً.
وقد أدى قرار وزير الصحة السابق والشخصية الشعبية ويس ستريتينغ دعم بورنهام بدلاً من خوض السباق بنفسه إلى تغذية التكهنات المتزايدة بأن حزب العمال قد يتجه نحو “تتويج” زعيم جديد بدلاً من منافسة حقيقية.
أما الإشادة الحذرة التي قدمتها نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر لستارمر، فقد أبقت نواياها الشخصية غامضة، لكنها لم تفعل الكثير لتبديد هذا الانطباع.
فالمنافسة قد تبدو مفتوحة نظرياً، لكنها تبدو مغلقة عملياً بصورة متزايدة.
غير أن هذه السرعة تحمل مخاطر إلى جانب مزاياها.
فحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يكن بورنهام قد شغل مقعده بعد في مجلس العموم عقب فوزه في دائرة ميكرفيلد.
ويشير أنصاره إلى خبرته الممتدة لعقد كامل في إدارة منطقة مانشستر الكبرى، والإشراف على النقل والشرطة والتنمية الاقتصادية.
ومع ذلك، يعترف بعض نواب العمال في أحاديثهم الخاصة بأن الانتقال من منصب عمدة إقليمي إلى رئاسة الوزراء في الرقم 10 داونينغ ستريت يمثل إحدى أكبر القفزات في السياسة البريطانية.
فبورنهام لم يشغل قط إحدى الحقائب السيادية الكبرى في الدولة، ولم يُختبر في الإدارة اليومية للسياسة الخارجية أو الدفاع أو قرارات الخزانة أو المفاوضات البريطانية المعقدة مع الحلفاء والشركاء التجاريين.
وجاذبية الانتقال السريع واضحة، لكن الخطر يكمن في أن يكتشف حزب العمال متأخراً أن استبدال قائد أسهل بكثير من إعداد خليفة جاهز للحكم.
وهذا يثير سؤالاً أكبر: هل اختار حزب العمال بالفعل زعيمه المقبل، أم أنه قرر فقط أنه لم يعد قادراً على الاستمرار تحت القيادة الحالية؟لا شك أن بورنهام يدخل هذه اللحظة السياسية بزخم قوي.
فقد حوله انتصاره الساحق في ميكرفيلد من عمدة لمانشستر الكبرى إلى الشخصية المحورية في دراما الخلافة داخل حزب العمال.
لكن أن يصبح رئيساً للوزراء هو تحدٍ مختلف تماماً.
فإدارة النقل والإسكان والشرطة والتنمية الاقتصادية في ثاني أكبر منطقة حضرية في إنجلترا ليست كإدارة الخزانة والسياسة الخارجية والدفاع والتزامات حلف الناتو ومستقبل علاقة بريطانيا بأوروبا.
كما أن العديد من المجموعات التي تلتف الآن حول بورنهام لا يجمعها سوى الرغبة في التغيير.
فنواب “الجدار الأحمر” في شمال إنجلترا (وهم ممثلو المناطق العمالية التقليدية التي أيدت بريكست)، والوسطيون في الحزب، وزعماء النقابات العمالية، والناخبون المناهضون لحزب الإصلاح، والجناح اليساري التقليدي في حزب العمال، لا يتفقون بالضرورة حول أوروبا أو الهجرة أو الضرائب أو الإنفاق العام.
وبالتالي، فإن التحالف الذي قد يحمل بورنهام إلى داونينغ ستريت قد يكون أكثر صعوبة في الحفاظ عليه عندما تبدأ مسؤوليات الحكم الفعلية.
أما بالنسبة لستارمر، فقد أصبح الحكم عليه واضحاً بالفعل.
لقد كان نواب حزب العمال ممتنين له لأنه أوصل الحزب إلى السلطة، لكن الامتنان ثبت أنه أقل دواماً من الخوف من فقدانها.
ولم تكن مشكلته أنه خسر تصويتاً، بل أنه خسر الحسابات العددية.
والسؤال الذي يواجه حزب العمال الآن هو: هل يشهد الحزب انتخابات قيادة حقيقية، أم أنه ينجز فقط عملية خلافة حُسمت نتائجها مسبقاً من حيث المبدأ؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك