بغداد ـ «القدس العربي»: على وقع جملة أزمات موروثة، تسلّم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، دفّة الحكم في البلاد، محاولاً إيجاد حلول لملفات شائكة، أبرزها تلك المتعلقة بانتشار السلاح واعتماد البلاد على اقتصاد «ريعي» في تمويل موازنات مالية غالباً ما تذهب أموالها في صفقات فساد برعاية سياسية.
ورغم مرور شهرٍ وبضعة أيام فقط على نيل الزيدي والدفعة الأولى من حكومته (14 وزيراً) ثقة البرلمان، غير أنها أبدت جدّية في التعامل مع ملفين حساسين طالما عانى منهما العراق «السلاح والفساد».
ويرغب الزيدي في تحقيق نتائج ملموسة في هذين الملفين، بالإضافة إلى إتمام كابينته وتسمية الوزراء التسعة المتبقين، قبل زيارة مرتقبة في منتصف تموز/ يوليو المقبل، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت البيضاوي.
الناطق الرسمي باسم الحكومة، حيدر العبودي، يقول في تصريحات أدلى بها للصحيفة الحكومية، أن «الزيارة تعدُّ أول زيارة خارجية رسمية لرئيس الوزراء، وهي تجسِّد توجه الحكومة ومنهاجها الوزاري من خلال محورين الأول المضي نحو بناء شراكة اقتصادية منتجة تصبُّ في مصلحة الشعب العراقي وتدعم أولويات التنمية»، فيما يركّز المحور الثاني على «تعميق العلاقات الإستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية بما يعود بالنفع المتبادل على المصالح المشتركة ويسهم في تعزيز التبادل التجاري والاستثماري ويدعم مسارات النمو الاقتصادي في العراق».
ويرى العبودي أن الزيارة «ستعزز فرص التعاون بين القطاع الخاص العراقي ونظيره الأمريكي وسيترجم هذا التنسيق بصورة فرص إيجابية داعمة لبيئة الاقتصاد العراقي».
وأضاف أن «الحكومة العراقية تنتهج سياسة الانفتاح والتعاون وبناء شراكات متوازنة مع مختلف الاقتصادات الكبرى في العالم، وتتبنى أن يؤدي العراق دوراً متميزاً على الصعيد التجاري والتنموي في الشرق الأوسط»، مستدركاً: «نحن نتوجه إلى العالم بثقة انطلاقاً من كون العراق هو أحد أكبر الدول امتلاكاً للاحتياطي النفطي المؤكد عالمياً ويتمتع بموارد وإمكانات واعدة في قطاع المعادن فضلاً عن فرص مهمة في تطوير الصناعات التحويلية».
ووفق العبودي فإن «الحكومة العراقية تعتمد في سياستها الخارجية على تعضيد العلاقات مع الدول المؤثرة دوليا، بهدف تحقيق المزيد من الترابط مع الحلقات الدولية الاقتصادية والسياسية وتعزيز مسارات التفاهم والتنسيق بوصفها مصدر قوة ودعم لمكانة العراق في المنطقة والعالم».
وعلى هذا الأساس، يؤكد المسؤول الحكومي أن زيارة الزيدي إلى واشنطن التي ستكون «في منتصف تموز/ يوليو المقبل هي أولى المحطات الخارجية لتكريس الشراكة العراقية ـ الأمريكية على وفق المصالح المتبادلة بين البلدين».
وفيما يتعلق بالملف الأمني، يقول العبودي إن «منظومتنا الأمنية منظومة وطنية بامتياز، لأنها تقوم على روح الولاء للعراق، ولتاريخه، ولشعبه، وسواء أكان التحدي خارجياً أم تمثل في تهديدات الإرهاب، فإن المقاتل العراقي، بما يقدمه من تضحيات، هو من يحسم المواجهة كلما تعرض العراق لخطر أو تحدٍّ.
لقد كان الحسم عراقياً، وكان النصر عراقياً أيضاً، ولذلك فإننا في حاجة إلى كل السواعد الوطنية الغيورة التي تحمي أرض العراق وسماءه ومياهه».
وأضاف: «ليس خافياً أن الأمن لا يتحقق بالصدفة، بل بالتحشيد، والتخطيط السليم، والتوظيف الأمثل للقوى البشرية في مواقعها المناسبة، والتسليح الحديث، وتوسعة الإنتاج الحربي الوطني، وهذا ما يتبناه القائد العام للقوات المسلحة بثقة واقتدار».
كذلك، تحدث الناطق باسم الحكومة عن جهود مكافحة الفساد، مبيناً أن «حكومة الزيدي مصممة على حماية المال العام بكل الوسائل المتاحة، وأن جهود مكافحة الفساد ومحاربته لن تتوقف، لأن هذه المواجهة تقف في إحدى ضفتيها مصلحة الشعب العراقي ومستقبل ثروته والرفاه الاجتماعي وعملية بناء الدولة بمؤسساتها القوية الحافظة للقانون والمستندة له».
يركّز على الإصلاح الاقتصادي وحماية المال العاموأوضح إلى إنه «في هذا السياق، فإن خلاصة هذه المواجهة ضد الفساد المالي والإداري يمثل التزاماً أخلاقياً ووطنياً ويلخص المسؤولية الحكومية وأمانتها الدستورية التي تقضي بلا أدنى شك بأن نقف وندافع عن مصلحة الشعب العراقي ومستقبله الاقتصادي، ولا مستقبل في الأفق مالم نتخلص من آفة الفساد، وهذا ما يتبناه رئيس الوزراء وحكومته بلا مواربة لأن للمال العام حرمة لا تختفي بالتقادم ولا تزول من ذاكرة الفعل الوطني الواثق من أهدافه ومنطلقاته».
كما أعلن العبودي أيضاً أنه «سيتم استكمال الكابينة الوزارية في النصف الأول من تموز(يوليو) المقبل، ولا تسعى الحكومة بأي طريقة إلى تأجيل هذا الاستحقاق لأنه يصب بالضرورة في نهاية الأمر في اتجاه ترصين عمل الأداء الحكومي».
ولفت إلى أنه «في الوقت نفسه فإن الحكومة العراقية تؤدي دورها عبر المؤسسات الدائمة، وأن هناك متابعة حثيثة من رئيس الوزراء لوتيرة تقديم الخدمات والعمل التفصيلي لكل وزارة، فضلاً عن إشغال الوزارات المتبقية من الوزراء المكلفين بتسيير شؤونها بالوكالة من أجل عدم توقف مصالح المواطنين».
وبشأن أبرز أولويات الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة، قال العبودي إن «الحكومة تمتلك رؤية وأولوية واضحة في مجال الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد، إلى جانب سائر مسؤولياتها الدستورية والقانونية، كما تعتمد مقاربة شاملة في حماية وإنعاش اقتصاد العراق، والتخفيف من الأعباء الناجمة عن الطابع الريعي للاقتصاد»، معتبراً أن «ترسيخ رؤية شمولية للتحديات الاقتصادية ومفاهيمها سيسهم في تمكين الحكومة من إدارة ملفاتها كافة بتوازن وانسجام، بما يهيئ بيئة ملائمة لتحقيق النجاح المنشود».
ومضى يقول: «الحكومة العراقية عازمة على تطوير وزيادة قدرات التصفية والتكرير للقطاع النفطي»، مبيناً أن «هذه الخطوات ترفع من نسب القيمة المضافة للناتج النفطي ومقادير عوائده على موازنة الدولة ورفاه الشعب العراقي».
وأضاف أنه «في الوقت نفسه؛ تمضي الحكومة في ترصين الآليات الضريبية والجمركية، والاستهداف العادل لتحصيل إيرادات المنافذ الحدودية، أو أجور الخدمات العامة، وهي كلها روافد قانونية تدعم موازنة الدولة.
وكذلك التحاسب الضريبي الذي يمثل بوابة لدفع حقوق الناس وحماية موارد الأموال العامة، وبالتالي فإنها ستكون عاملاً مساعداً في توسعة نشاط القطاع الخاص».
وتطرق الناطق الحكومي الرسمي في حديثه إلى الموازنة المالية، موضحاً إن «رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أكد رفضه للموازنة بصيغتها الحالية القائمة على التخصيصات وموارد الصرف، والمدفوعات والمدخلات، لأنها تتضمن خللاً منهجياً»، لافتاً إلى أن «العراق اليوم في حاجة إلى (موازنة برامج) بمعنى أن نحدد الهدف أو البرنامج أولاً، وأن نشترط في البرنامج المشخّص أو الذي يقع عليه اختيار التمويل أن يكون ضمن مسار الإصلاح، وأن تكون فيه عوائد واضحة على المنظور القريب أو المتوسط».
وتابع: «نحن في حاجة إلى موازنة تؤدي مساراتها إلى خلق فرص تنموية وترفع مستويات القيمة المضافة في العملية الاقتصادية، لذلك فإن العبرة لا تكمن في تقديم مسودات وجداول مصروفات وتخصيصات وأبواب للإنفاق، إنما العبرة في توجيه التمويل نحو برامج منتجة تحمل معالجات تلامس جوهر الحاجة للتنمية».
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل في ظل حكومة الزيدي، أفاد العبودي بأن «قانون الموازنة والتشريعات المستندة إلى الدستور – بل الدستور نفسه – تمثل جميعها بوابة مستدامة لتنظيم العلاقة الوطنية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق، وكذلك بين الحكومة الاتحادية وباقي محافظات العراق وحكوماتها المحلية».
وبيّن أن «حكومة الزيدي تتحرى كل ما يحقق المصلحة العامة الشاملة للشعب العراقي بكل أطيافه، سواء من يعيش في إقليم كردستان العراق أو في أي بقعة أخرى من أرض عراقنا العزيز.
وإن حرص الحكومة على مصلحة أبناء بغداد أو البصرة أو كركوك أو الأنبار لا يختلف عن حرصها على مصلحة أبناء شعبنا الكردي الكريم في الإقليم، انطلاقا ًمن مسؤوليتها الوطنية تجاه جميع العراقيين».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك