على مدى عصور، كُرّس الأدب، في جانب كبير منه، بوصفه صوتاً للمقهورين، إذ عرّى الظلم، ومنح المضطهدين مساحة للتعبير في مواجهة الاستبداد بأشكاله المختلفة، غير أن لهذه الصورة وجهاً آخر أكثر قتامة، صنعه أدباء ومثقفون اختاروا الوقوف إلى جانب الطغاة، وأسهموا في تبرير الاستبداد ومنحه غطاءً أخلاقياً أو وطنياً أو أيديولوجياً.
من الحزب النازي في ألمانيا، إلى الفاشية في إيطاليا، والفلانخية في إسبانيا، وصولاً إلى تجارب الاستبداد الحديثة، لم يكن الأدب دائماً في صف الضحايا، ففي سوريا، كما في غيرها، استخدم نظاما الأسد (الأب والابن) عدداً من المثقفين والأدباء لإضفاء شرعية رمزية على الحكم، وتجميل صورة السلطة، وتهميش الأصوات المعارضة.
وكما يحفظ التاريخ أسماء كتّاب قاوموا الطغيان ودفعوا أثماناً باهظة، فإنه يذكّر أيضاً بأسماء ارتبطت بالدفاع عن السلطات المستبدة، وساهمت في تشكيل وعي جمعي يمجّد الزعيم، تحت ذرائع مختلفة، من الدفاع عن القومية والوحدة الوطنية إلى حماية الاستقرار السياسي.
المشروع الثقافي بوصفه حاجة للسلطةيرى الباحث السوري الدكتور سليمان الطعان، في حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا، أن أي نظام حاكم يحتاج إلى مشروع ثقافي، لأن غياب هذا المشروع يحوّله إلى ما يشبه الميليشيا.
ويضرب الطعان مثالاً بالدولة الأموية التي قامت على مشروع سياسي، لكنها أدركت، بعد بسط سلطتها، استحالة تثبيت الحكم من دون مشروع ثقافي، عبّرت عنه" عقيدة الجبر" الأموية، ويشير إلى أن الأمر تكرر لاحقاً مع الدولة العباسية التي اتخذت من" الاعتزال" مشروعاً فكرياً لها.
وبحسب الطعان، فإنّ تاريخ القرن العشرين يكشف أن الأنظمة الشمولية تسعى دائماً إلى صياغة خطاب ثقافي يتسم بالأحادية والشمول، ويعبّر غالباً عن مصالح القوى التي تشكل عصب السلطة، لكن هذا الخطاب، وفق رأيه، يكون محكوماً بالجمود في ظل غياب المنافسة الفكرية، ثم يدخل تدريجياً مرحلة الضحالة والابتذال.
فخطاب الأنظمة الشمولية لا يبدأ بالضرورة مبتذلاً، لكن غياب التجديد يحوّله مع الوقت إلى خطاب يثير الازدراء.
المثقف والسلطة.
علاقة لا يمكن تجاهلهايقول الطعان إن الحديث عن المثقف بمعزل عن علاقته بالسلطة هو" حديث وهم"، لأنّ المثقف فاعل في المجتمع، ومهمته إنتاج الأفكار والخطابات، وهو غالباً ما يرتبط عضوياً بطبقة اجتماعية أو طائفة دينية أو جماعة إثنية، وينشط في إنتاج خطابها والدفاع عن مصالحها.
وفي الأنظمة الاستبدادية، يخشى الإنسان على وجوده إن عارض السلطة، سواء عبر القتل أو السجن، أمّا في الأنظمة الديمقراطية، فيصبح الخوف مرتبطاً بضياع الصوت، بسبب الهيمنة الثقافية التي تجعل ظهور تيار معارض أمراً صعباً، ولا سيما مع الأدوات الحديثة التي تمتلكها السلطات في السيطرة والعزل.
أما عن مسؤولية الأديب، الذي يدافع عن سلطة استبدادية ويسوّغ جرائمها، فيرى الطعان أن المسألة أخلاقية بالدرجة الأولى، ولا يمكن التعامل معها دائماً بوصفها جريمة واضحة من اختصاص المحاكم.
ويضيف أن المثقف قد يتلقى حكماً أقسى عبر العزل الثقافي والفكري، كما حدث في ألمانيا بعد النازية، حين جرى تحييد كل من ناصرها في كتاباته، وسُنّت قوانين تجرّم إنكار جرائمها.
ويرى أن هذا النوع من العقاب أشد وقعاً على المثقف، لأنه يشهد انهيار أفكاره وإدانتها أمامه، فيُحكم عليه بالموت الفكري بدلاً من الخلود الذي يطمح إليه كل أديب.
التنافر المعرفي وتبرير السلطةمن جانبه، يرى الباحث في علم النفس الاجتماعي الدكتور صفوان قسام، أنّ لدى كثير من المثقفين في المنطقة مستويين معرفيين: أحدهما مرتبط بالموروث والتربية والقبيلة، والآخر بالمعرفة العلمية والثقافية التي قد تنفصل عن الواقع أو تتعامل معه بتسلط.
ويقول قسام، في حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا، إن هذا الانفصال قد يؤدي إلى تنافر معرفي، يظهر حين يؤمن الشخص بقيمة أخلاقية معينة، ثم يدعم سلطة تنتهكها.
وعند حدوث التوتر، لا يغير كثيرون موقفهم من السلطة، بل يعيدون تفسير الحدث لتخفيف الصدام الداخلي.
ويوضح أن الهوية الجماعية تلعب دوراً أساسياً في هذا السلوك، إذ يصبح الدفاع عن السلطة دفاعاً عن الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، لا عن الفعل نفسه.
وهنا يظهر التحيز التأكيدي، عبر البحث عن معلومات تدعم الموقف المسبق وتجاهل ما يناقضه.
وفي ظروف الصراع، قد يفضّل الناس الاستقرار على العدالة، فيبررون ممارسات كانوا سيرفضونها في ظروف أخرى.
ويبدأ القبول بتجاوز صغير، ثم تتوسع دائرة المقبول تدريجياً.
يرى قسام أن الكاتب قد يصبح أقرب إلى السلطة منه إلى المجتمع لأسباب متعددة، منها الرغبة في النفوذ أو الاعتراف أو الدعم الاقتصادي، أو القناعة بأن التغيير يجب أن تصنعه السلطة لا المجتمع، إضافة إلى الخوف من الإقصاء أو العقاب، أو الإعجاب بفكرة" القائد المنقذ".
ويضيف أن الأدب لا يصنع الطاغية وحده، لكنه قد يساعد في صناعة الأسطورة السياسية حوله، عبر تقديمه بوصفه منقذاً استثنائياً، وإضفاء صفات شبه مقدسة عليه، واختزال الوطن بشخصه، وتصوير المعارضين كخونة أو فوضويين.
وبذلك، يتحول الحاكم من مسؤول سياسي يمكن نقده ومحاسبته إلى رمز يتجاوز النقد، وتتحول الكتابة من مساحة مساءلة إلى أداة تعبئة وتمجيد.
متى يصبح الأدب دعاية سياسية؟ويقول قسام إن الأدب يتحول إلى وسيلة للدعاية السياسية عندما يتخلى عن وظيفته النقدية في استكشاف الحقيقة الإنسانية وطرح الأسئلة، ليصبح هدفه الأساسي إقناع القارئ بموقف سياسي محدد، متجاوزاً التعقيد الإنساني ومتجهاً نحو اليقين.
أما عن قيمة الأدب بمعزل عن موقف الكاتب السياسي، فيرى قسام ضرورة التمييز بين القيمة الفنية للنص والموقف السياسي لصاحبه، لأن المواقف السياسية وحدها لا تصنع أدباً رفيع المستوى، والعكس صحيح، لكن حين يصبح العمل الأدبي مجرد أداة تمجيد مباشر للسلطة، تتراجع قيمته الأدبية، لأن النص يفقد الحرية والتوتر الإنساني اللذين يغذيان الأدب ويمنحانه عمقه.
يختم قسام بالقول: إنّ موقف المثقف العضوي في بلادنا اليوم يبدو حرجاً، في ظل ثقافة إقصائية تنعكس على موقفه وتطعن في جوهر ثقافته، فالثقافة، كما يقول، لا تنفصل عن الحرية والانفتاح، وحين يصبح المثقف إقصائياً، تسقط عنه صفة الثقافة لأنه لم يعد حراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك