بعد غياب لافت منذ فيلمه الروائي الأول يوم الدين، يعود المخرج أبو بكر شوقي ليخوض تجربة سينمائية استثنائية ذات أبعاد ملحمية وإنسانية خاصة، إذ يتتبع مسار أسرة مصرية على مدار عقدين من الزمان، في الفترة الممتدة بين عامي 1967 و 1987، في فيلمه الجديد “القصص”.
شهدت هذه الحقبة التاريخية تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، أعادت تشكيل وجه المنطقة بالكامل، لكن الفيلم يعيد تفكيك هذه الفترة عبر الأثر الذي تركته على حياة و مصائر الأفراد العاديين، يقدم فيه شوقي سرد سينمائي عابر للأجيال.
ويمثل إعادة الإحياء الزمني لفترة حاسمة من تاريخ مصر، التحدي الأكبر لصناع الفيلم، إذ يخوض رحلة شاقة في ذاكرة أجيال عاصرت تلك الحقبة، يراهن فيها على مدى استجابة الجمهور المعاصر لتلك التفاصيل المؤلمة، ويطرح الفيلم سؤالا حتميا، هل أصبح الالتفات إلى الماضي هو وسيلتنا الوحيدة لفك شفرات الحاضر والتنبؤ بالمستقبل؟
الميزة الأبرز في هذا التشريح النفسي لبنية المجتمع المصري خلال عشرين عاما، أنه لم يقع في فخ المباشرة والتقريرية، بل اختار أن يمرر قصص التحولات النفسية واثرها علي قرارات الشخصيات بأسلوب تهكمي ساخر، يمزج فيه بين قسوة الواقع ومرارة الكوميديا السوداء.
وما يميز سينما المخرج أبو بكر شوقي، هي قدرته على سرد حكايات شديدة المحلية داخل اطار زمني مغلق، ليصنع منها دراما واقعية تعيد اكتشاف الأزمات من وجهات نظر أخرى.
في فيلمه القصص نلمس تأثير هزيمة حرب 67 على تفاصيل الحياة اليومية لأفراد هذه الأسرة، حيث تعيش حصار بين خوفين، الأول قلق على الابن المجند، وتوجس من مصير الأب المهدد بالسجن، ويتتبع الفيلم الزمن النفسي لشخصياته، وكيف خلفت السنوات آثارها على ملامحهم وهويتهم، بينما بقيت نظرتهم الجوهرية للحياة تقاوم هذا التغيير ولم تستسلم له.
ورغم أن الأحداث السياسية الكبرى هي المحرك الخفي لقرارات الأبطال، إلا أن التركيز يظل دائماً محصور على رد الفعل لا الفعل ذاته، بداية من مرارة الهزيمة حتى صخب الانفتاح الاقتصادي.
وتشير الأحداث على أن القصص التي وقعت بالماضي تعيد إنتاج نفسها اليوم باشكال واساليب مختلفة لكن بنفس المضمون وفي نفس الاتجاه، ولعل أكثر النماذج تجسيدا لهذه الواقعية الساخرة، شخصية مذيع التلفزيون، ممثلا عن تلك المهنة العابرة للعصور، وهو يمثل انعكاس لسياسة واحدة ووجهة نظر متوارثة، ويعتبر الرمز السينمائي الأقوى لتبديل الوجوه و ثبات الولاء.
يتتبع فيلم القصص مصائر الأسرة المكونة من أربعة أبناء، وتمثل الأم التربة الخصبة للعائلة، التي ينطلق أبناؤها في مسارات متباينة، الابن الأول يدفع ضريبة الوطن كـ شهيد في الحرب، والثاني يستسلم و يعيش على الهامش داخل غرفة تبديل الملابس في النادي المفضل له، في حين يمثل الابن الثالث، أحمد عازف البيانو التجسيد الأبرز للحلم المجهض الذي تطحنه بيروقراطية المؤسسات الفنية وتغلق في وجهه الأبواب بمنطق المحسوبية.
ثم يفتح لنا الفيلم باب اخر للحياة عبر الخطابات المتبادلة بين أحمد وفتاة نمساوية، تشكل له مساحة للحرية و الهروب من واقع ضيق، تتوج بحصوله على منحة للنمسا، لكنه يعود إلى مصر يحمل معه وجع فقد اخيه التوأم، بعد استشهاده في الحرب.
تعود صديقته النمساوية لزيارته، وتختار البقاء معه في قلب الحي الشعبي، ويذوب هذا التباين الثقافي أمام الواقع الروتيني للحياة، بعد أن يتحول الفنان إلى موظف تبتلعه الأيام وتزحف الشيخوخة على ملامحه.
وتنتهي الرحلة برحيل الأم، وتتخذ الزوجة الأجنبية مكانها، ونعبر إلى عصر ما بعد الانفتاح، حيث تتوقف القصص عند عتبة تحولات سياسية ذات مسار مختلف تماماً، قد تحتاج إلى تقديم فيلم جديد يمتد هذة المرة لأكثر من ثلاثين عام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك