في مكان ما من" ذاكرة للنسيان"، تلك السيرة الناقصة لشاعر تحت الحصار، يقول محمود درويش وهو محاصر في بيروت فيما تدور مباريات كأس العالم لكرة القدم عام 1982 في إيطاليا: " نحن أيضا نحب كرة القدم، ونحن أيضا يحق لنا أن نحب كرة القدم.
ويحق لنا أن نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟ في أحد الملاجئ استطعنا استيراد المباراة، وسرعان ما نقلنا باولو روسي إلى ما ليس فينا من فرح.
رجل لا يرى في الملعب إلا حيث ينبغي أن يُرى.
شيطان نحيل لا نراه إلا بعد تسجيل الهدف، تماما كالطائرة القاذفة لا تُرى إلا بعد انفجار أهدافها".
ويستطرد درويش قائلا: " حيث يكون باولو روسي يكون الجوول، يكون الهتاف، ثم يختفي أو يتلاشى ليفتح مسارب الهواء من أجل قدميه المشغولتين بطهو الفرص وإنضاجها وإيصالها إلى أوج الرغبة المحققة.
لا أعرف إن كان يلعب الكرة أم يلعب الحب مع الشبكة.
كرة القدم، هذا الجنون الساحر، القادر على إعلان هدنة من أجل المتعة البريئة.
ما هذا الجنون القادر على بطش خفيف وتحويل الصواريخ إلى ذباب مزعج.
وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسة الشعر والنبيذ واللقاء الأول مع امرأة مجهولة.
كرة القدم هي التي حققت المعجزة، خلف الحصار، حين بثت الحركة في شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر".
" يلمس درويش بحس الشاعر مكمن السحر في كرة القدم، وهو قدرتها على منح من يتابعها التعويض"يلمس درويش بحس الشاعر مكمن السحر في كرة القدم، وهو قدرتها على منح من يتابعها التعويض.
فهي تعطيه متعة الصراع الذي جُبل عليه، دون أن تهوي به في مهاوي الردى.
لكنها أيضا تمنحه ببعدها العالمي شعورا بأنه جزء من كون كبير يتكلم اللغة نفسها.
المشهد نفسه يتكرر في أمكنة كثيرة حول العالم ولا تختلف فيه سوى التفاصيل.
في زقاق مغبر بالقاهرة، يركل صبي زجاجة بلاستيكية بين خطين مرسومين بالطباشير على جدار متهالك.
وفي أحياء ريو دي جانيرو الفقيرة، يراوغ مراهقون حفاة الأقدام أمام أعمدة مرمى مؤقتة مثبتة في خرسانة متصدعة.
وفي شوارع مانشستر المبللة بالمطر، يشرح جد لحفيده معنى درجة اللون الأحمر على قميص اليونايتد، مشيرا إلى شيء أعمق من مجرد لون الصبغة ونوع القماش.
وفي قرية بالكاميرون، ينفجر حشد فرحا بهدف سجل في ملعب بعيد لن يزوروه أبدا، سجله لاعب لن يلتقوا به أبدا.
ربما لا توجد ظاهرة إنسانية أخرى تخاطب كل هؤلاء الناس في آن واحد بنفس الإلحاح، وبنفس الأسلوب، وبنفس الشحنة العاطفية.
list 1 of 2نعيم قاسم.
كيميائي حزب الله الذي رفض التدخل في سورياlist 2 of 2نهاية عصر" السلاح الخارق".
لماذا تبحث أمريكا عن صواريخ رخيصة؟تبدو كرة القدم اليوم النشاط الجماعي الأكثر انتشارا، والأكثر متابعة بشغف.
كما يتفوق نهائي كأس العالم لكرة القدم باستمرار على جميع الأحداث التلفزيونية الأخرى على وجه الأرض من حيث عدد المشاهدين.
لكن القول بأن كرة القدم" شعبية" لا يضيف شيئا يذكر.
فالشعبية حقيقة إحصائية، أما ما يستدعي البحث فهو المعنى.
لماذا تثير لعبة تضم كرة جلدية و22 لاعبا ولاء يدوم أطول من بعض الزيجات وحزنا يشبه الفقد، وكثيرا من الفرح الذي يقترب من النشوة؟رغم معرفة الحضارات القديمة لأشكال مختلفة ومتقاربة أحيانا لألعاب تعتمد على ركل الكرة بالقدم، إلا أن كرة القدم كما نعرفها اليوم هي بنت الحداثة الإنجليزية الصناعية.
فقد ولدت في إنجلترا في منتصف القرن التاسع عشر، وكان ميلادها مرتبطا ارتباطا وثيقا بالظروف الاجتماعية للثورة الصناعية.
بدأ نظام المدارس العامة الإنجليزية، الذي لطالما استخدم أشكالا فوضوية من كرة القدم كوسيلة لتفريغ العدوانية لدى المراهقين من أبناء الطبقات العليا، في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، بتوحيد قواعد اللعبة ووضع قوانينها.
وجاءت اللحظة الحاسمة في عام 1863، عندما اجتمع ممثلو أندية لندن المختلفة وشكلوا اتحادا للعبة، ووضعوا مجموعة من القواعد التي ستصبح أساس ما أطلق عليه الإنجليز اسم" كرة القدم".
" جاءت اللحظة الحاسمة في عام 1863، عندما اجتمع ممثلو أندية لندن المختلفة وشكلوا اتحادا، ووضعوا مجموعة من القواعد التي ستصبح أساس اللعبة"ثم سافرت اللعبة لاحقا على متن سفن الإمبراطوريات.
فقد وصلت إلى البرازيل عبر العمال البريطانيين الذين كانوا يبنون السكك الحديدية ومحطات الغاز، ووصلت إلى الأرجنتين عبر التجار البريطانيين في بوينس آيرس، وبلغت جنوب أفريقيا عبر الجنود البريطانيين.
كما حملت أندية كرة القدم الأولى في معظم أنحاء العالم أسماء إنجليزية أو أسسها مغتربون بريطانيون.
لكن ذلك لا يفسر وحده سرعة انتشار كرة القدم عالميا وشموليتها، فقد صدر البريطانيون أيضا الكريكيت والرغبي والغولف، وهي رياضات تحظى بشعبية في بعض أنحاء العالم، لكنها لم تصل قط إلى مستوى عالمية كرة القدم، والسبب الأساسي هو" سهولة الوصول".
فكرة ركل الكرة بالقدم لا تحتاج إلى معدات باهظة الثمن، ولا بنية تحتية متخصصة، ولا ميزانية ضخمة، ولا دعم تنظيمي.
وهذا ما جعلها مناسبة بشكل فريد لتبنيها من قبل فقراء المدن والعمال.
ويعد هذا الارتباط بالتحضر الصناعي جوهريا، فقد ولدت كرة القدم في المدينة، وتشكّلت بفعلها، بإيقاع نوبات العمل في المصانع وجغرافية الأحياء.
وعندما انتشرت الرأسمالية الصناعية في أرجاء العالم، خلقت الظروف الاجتماعية التي صممت كرة القدم خصيصا لملئها.
فقد أنتجت المدينة الصناعية فئات جديدة من السكان مقتلعين من مجتمعاتهم التقليدية ومنظمين في أشكال جديدة من العمل الجماعي، وفي الوقت نفسه متعطشين لأشكال جديدة من الانتماء.
وقد وفرت كرة القدم هذا الانتماء بكفاءة مذهلة.
أما السبب الثاني فهو ما نطلق عليه" الأفق التأويلي"، فبخلاف لعبة الكريكيت، التي تحمل ثقلا ثقافيا معقدا للعلاقات الطبقية والإمبراطورية الإنجليزية، أو لعبة البيسبول، المشبعة بالأساطير الأمريكية الشمالية، وصلت كرة القدم إلى معظم الثقافات في شكل يمكن إضفاء طابع محلي عليه.
فبإمكان قرية برازيلية أن تجعل كرة القدم برازيلية وبإمكان مجتمع نيجيري أن يجعلها نيجيرية وبإمكان حيّ من الطبقة العاملة في غلاسكو أن يجعلها غلاسكوية.
" خلقت قواعد اللعبة البسيطة مساحة تستطيع من خلالها الثقافات المحلية التعبير عن نفسها"لقد خلقت قواعد اللعبة البسيطة مساحة تستطيع من خلالها الثقافات المحلية التعبير عن نفسها.
ولهذا السبب تبدو كرة القدم في البرازيل مختلفة عن كرة القدم في إيطاليا، والتي بدورها تختلف عن كرة القدم في ألمانيا، والتي تختلف عن كرة القدم في إسبانيا.
ولا تقتصر الاختلافات على الجوانب التكتيكية فحسب، بل هي ثقافية وفلسفية وجمالية أيضا.
لكن تحول كرة القدم الجذري من هواية شعبية إلى ظاهرة عالمية، جاء عبر ثلاث مراحل رئيسية.
تمثلت المرحلة الأولى في تأسيس الأندية والبطولات في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
كان النادي مؤسسة اجتماعية بالغة الأهمية، إذ منح كرة القدم الديمومة والاستمرارية والهوية.
كان لكل ناد اسم وشعار وملعب وتاريخ، والأهم من ذلك، ارتباط وثيق بمكان محدد.
فضلا عن تجذره في الحي والمدينة والمنطقة، كتعبير رياضي عن روح المجتمع.
كما حوّل إنشاء الدوريات الاحترافية كرة القدم من مجرد هواية إلى حدث رياضي بارز لأنه أرسى نظاما هرميا للصعود والهبوط، حيث لم تتنافس الأندية على الألقاب فحسب، بل على مكانة في نظام اجتماعي يحمل دلالات عميقة على هوية المجتمعات التي تمثلها وقيمتها الذاتية.
فقد أضفى الصعود والهبوط بعدا وجوديا على المنافسة.
وهذا الرهان الوجودي عمّق ارتباط المشجعين عاطفيا باللعبة بطرق لم يكن لنظام الدوريات المغلقة أن يحققها.
أما المرحلة الثانية فهي التلفزيون.
فقد أحدث البث المباشر لمباريات كرة القدم، الذي بدأ بتردد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم انتشر بسرعة هائلة مع تطور تكنولوجيا الأقمار الصناعية في الثمانينيات والتسعينيات، تحولا جذريا في اللعبة، وإن كان متناقضا.
فمن جهة، جعل كرة القدم عالمية، إذ أصبح بالإمكان مشاهدة المباراة نفسها في وقت واحد في كل مكان من العالم.
ولم يعد كأس العالم مجرد حدث رياضي، بل أصبح طقسا عالميا.
لكن التلفزيون لم يكتف بنشر كرة القدم، بل حوّلها إلى صناعة وسلعة.
أما المرحلة الثالثة المستمرة، فهي العولمة والتحول الرقمي لجماهير كرة القدم.
فقد أوجد الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أشكالا جديدة من مجتمعات كرة القدم تتجاوز الحدود الجغرافية، من مجموعات المشجعين الإلكترونية، إلى ثقافات المشجعين العالمية المنظمة حول لاعبين محددين أو أساليب لعب معينة، وصولا إلى دوريات كرة القدم الخيالية التي تخلق ارتباطا شخصيا بمباريات فرق لم يسبق للفرد حضورها.
وقد وسّعت هذه التطورات نطاق كرة القدم بشكل غير مسبوق، بينما تهدد في الوقت نفسه ارتباطها الوثيق بالمكان والحي والمجتمع.
" كل ما أعرفه يقينا عن الأخلاق والواجبات أدين به لكرة القدم"بواسطة (الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو)جذب البعد الوجودي والجماهيري لكرة القدم اهتمام الفلاسفة وشدهم إلى اللعبة، إما بوصفها موضوعا فلسفيا أو ممارسة.
فيروى عن الروائي والفيلسوف الفرنسي المولود في الجزائر ألبير كامو أنه يقول" كل ما أعرفه يقينا عن الأخلاق والواجبات أدين به لكرة القدم".
لعب كامو كحارس مرمى لنادي" الراسينغ الجامعي" في شبابه بالجزائر العاصمة، قبل أن ينهي مرض السل مسيرته الكروية.
ورغم أن هذه المقولة تكررت حتى أصبحت" مبتذلة"، فإننا إذا توقفنا لنأخذها على محمل الجد، بدلا من مجرد الاستشهاد بها، فسنجد أنها تحمل الكثير من المعنى.
للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأنه مبالغة لطيفة، من ذلك النوع من المبالغات المحببة التي يسمح بها الكتّاب لأنفسهم عند الحديث عن عواطفهم.
لكن هذا الادعاء، عند التدقيق فيه، لا يبدو عفويا.
كان مشروع كامو الفلسفي الذي تبلور بشكل كامل في رواية" أسطورة سيزيف" (1942) ومقالة" المتمرد" (1951)، يتمحور حول كيفية عيش البشر في عالم لا يقدم أي ضمانات" ميتافيزيقية" ولا عدالة ولا أي معنى.
الكون، بالنسبة لكامو، عبثي، فهو غير مبال بآمال الإنسان ومعاناته ورغباته.
لذا، فإن السؤال ليس كيف نجد معنى مفروضا من الخارج، بل كيف نخلق معنى من الداخل، أي كيف نعيش، وكيف نتصرف، مدركين تماما أنه لا يوجد حكم كوني يضمن مكافأة الفضيلة ومعاقبة الرذيلة، على حد اعتقاده.
" يبدو حارس المرمى رمزا للحالة الإنسانية كما فهمها كامو: الفرد وحيدا في مواجهة العالم ولكنه مرتبط بالآخرين بالتضامن والهدف المشترك"هنا، تقدم كرة القدم نوعا من المعنى، إذ تجعلك كلاعب تتصرف بشكل جيد ليس لأن التصرف الجيد يضمن النجاح، بل لأن التصرف الجيد هو مكافأته في حد ذاته، ومعناه في حد ذاته.
داخل اللعبة، العدالة ليست مضمونة، والفريق الأفضل لا يفوز دائما، وكثيرا ما يلعب الحظ دورا كبيرا في تحديد النتيجة.
وربما كان مركز حارس المرمى، الذي شغله كامو معبرا أكثر عن البعد الوجودي في اللعبة.
فهو خط الدفاع الأخير، الشخص الذي يواجه العواقب وحيدا عندما يفشل الجميع.
ومع ذلك، فهو أيضا، على نحو متناقض، العضو الأكثر عزلة في العمل الجماعي: جزء من الفريق، ولكنه منفصل عنه بحكم موقعه ودوره، وبعزلة منطقة المرمى.
يبدو حارس المرمى رمزا للحالة الإنسانية كما فهمها كامو: الفرد وحيدا في مواجهة العالم ولكنه مرتبط بالآخرين بالتضامن والهدف المشترك.
في المقابل يقدم تيري إيغلتون، المنظر الأدبي والناقد الثقافي البريطاني، منظورا فلسفيا مختلفا.
فهو يخصص عدة فقرات مهمة في كتابه" معنى الحياة" (2007) لمسألة ما تكشفه كرة القدم حول المعنى.
ومع إقراره بقدرة كرة القدم على العمل كأيديولوجية، بوصفها وسيلة لإلهاء الجماهير عن السياسة والصراع" الطبقي"، فإنه يصر في الوقت نفسه على أن اللعبة تجسّد قيما وإشباعات حقيقية تستحق الاحترام الفلسفي.
يرى إيغلتون أن جوهر كرة القدم يكمن فيما يسميه اللعب الهادف، الذي هو مزيج من التفكير النفعي (السعي للفوز) وما يمكن وصفه بالمتعة الجمالية (السعي للعب بأسلوب جميل)، مؤكدا أن أفضل كرة قدم تلعب ليست تلك الفعالة فحسب، بل الممتعة بطريقة تتجاوز الفعالية.
فهناك أهداف يحتفى بها ليس لمجرد تسجيلها نقطة، بل لأنها أعمال فنية وتعبيرات عن الإبداع البشري والذكاء البدني، لذلك فهي جديرة بالإعجاب حتى لو لم يكن لها أي قيمة عددية.
" تقدم كرة القدم مزيجا من التفكير النفعي الذي يعني السعي للفوز، والمتعة الجمالية المتمثلة في اللعب بأسلوب جميل"كما يلقي إيغلتون الضوء أيضا على مسألة علاقة كرة القدم بالمجتمع.
ذلك أن إحدى المشكلات المحورية للحداثة هي تفكيك أشكال المجتمع التي منحت الحياة التقليدية نسيجها وعمقها لصالح الفرد المنعزل الذي يقف وحيدا أمام السوق.
ووفقا لقراءة إيغلتون، تعوض كرة القدم جزئيا عن هذا الفقد.
فهي تنشئ مجتمعات تتسم بالتضامن الحقيقي والهدف المشترك ونوع من الولاء يتجاوز المصلحة الذاتية الضيقة.
إن الشخص الذي يتابع ناديه خلال هبوطه لأسفل الترتيب أو مواجهة أزماته المالية رافضا تحويل ولائه إلى منافس أكثر نجاحا، يظهر نوعا من الإخلاص ذي قيمة أخلاقية حقيقية، يمثل نوعا من التزام بشيء يتجاوز المصلحة الشخصية، وهو ما يعتبره إيغلتون جوهريا لأي حياة ذات معنى.
وحتى مارتن هايدغر، الفيلسوف الذي أمضى حياته يتساءل عن معنى" الوجود"، والذي انجرف نحو النازية بشكل كارثي، ثم فضّل صمت كوخه في الغابة السوداء، ظل حتى سنواته الأخيرة منجذبا لسحر كرة القدم.
عندما فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم عام 1974 كان الفيلسوف المسنّ لا يملك تلفازا خاصا به، فيذهب سيرًا على الأقدام إلى منزل أحد الجيران خصيصا لمشاهدة المباريات، وهي قصة وثّقها روديغر سافرانسكي في سيرته الذاتية" مارتن هايدغر: بين الخير والشر".
كان فرانز بيكنباور لاعبه المفضّل، وكان يكنّ إعجابا كبيرا بمهارة اللاعب الفائقة في التحكّم بالكرة، حتى أنه حاول عرض بعض من أفضل حركات بيكنباور على أحد المشاهدين المندهشين.
تحولت بعض التفاصيل الواردة في سيرة هايدغر إلى" أساطير صغيرة" بين قرائه.
فخلال إحدى مباريات هامبورغ وبرشلونة، يقال إنه تحمس لدرجة أنه أسقط فنجان الشاي.
وفي مناسبة أخرى، التقى مدير مسرح فرايبورغ بهايدغر في القطار وحاول فتح حديث معه عن الأدب والمسرح، ليجد أن الفيلسوف، الذي كان لا يزال متأثرا بمباراة شاهدها مؤخرا، لم يتحدث إلا عن بيكنباور.
حتى أنه حاول، في القطار، أن يقلد عمليا المهارة التي أثارت إعجابه الشديد بقدمه.
تبدو الصورة طريفة حقا، فالفيلسوف الذي أمضى أربعين عاما في محاولة تفكيك التراث الميتافيزيقي الغربي برمته، يتحول إلى حالة من البهجة الطفولية الخالصة أمام بيكنباور.
" الفيلسوف الذي أمضى أربعين عاما في محاولة تفكيك التراث الميتافيزيقي الغربي برمته، يتحول إلى حالة من البهجة الطفولية الخالصة أمام بيكنباور"أما جان بول سارتر، منافسه اللدود، فكان أقل موهبة في الرياضة، لكنه مع ذلك وجد في كرة القدم جانبا فلسفيا مثيرا للاهتمام، إذ لاحظ، في مقابلة نشرت لاحقا في صحيفة لوموند أن كل شيء في كرة القدم يتعقد بوجود الفريق الآخر، وهي عبارة تقتبس منذ ذلك الحين كملخص دقيق للفكر الوجودي حول الحرية والصراع والوجود الحتمي للآخرين في أي مشروع إنساني.
في عالمنا العربي لا يوجد اهتمام فلسفي كبير بكرة القدم، لكن الشاعر الفلسطيني محمود درويش ظل نسيجا وحده في اهتمامه بها، من خلال نصوص متفرقة عكست معرفته بتفاصيل اللعبة ونجومها، وبلغته الشعرية نجح في التعبير عما تمثل كرة القدم بالنسبة للعربي، فهي على حد قوله: " ساحة التعبير التي يوفرها تواطؤ الحاكم والمحكوم في زنزانة الديمقراطية العربية المهددة بخنق سجنائها وسجانيها معا".
وصف درويش كرة القدم أيضا بأنها" فسحة نفس تتيح للوطن المفتت أن يلتئم حول مشترك ما، حول إجماع ما، حول شيء ما، تنضبط فيه حدود العلاقة، وشروط الأطراف مهما تسربت منها إيماءات ذكية، ومهما أسقط فيها المشاهد على اللعبة ما فيه من المعاني المضغوطة.
وطن، أو شكل من تجليات روح الوطن يدافع عن كرامته، أو تفوقه، أمام الآخر".
" يسترد المتفرجون أدوارهم الغائبة في السياسة، عبر إحالتها بالاستحضار على عضلات اللاعبين ومناورات أجسادهم"في قلب حصار بيروت عام 1982، وتحت وطأة القذائف، يرى درويش في هذه اللعبة" ساحة للتعبير"، من خلال عدة مستويات، أولها هو التعويض السياسي؛ ففي ظل غياب المشاركة السياسية الحقيقية، يسترد المتفرجون" أدوارهم الغائبة في السياسة، بإحالتها بالاستحضار على عضلات اللاعبين ومناورات أجسادهم".
إن الاندفاع نحو هدف واحد في الملعب يصبح رمزا للاندفاع نحو هدف وطني موحد، حيث يتحول اللاعب إلى محارب ينوب عن أمة كاملة في الدفاع عن كرامتها وتفوقها أمام" الآخر".
أما المستوى الثاني فهو قدرة كرة القدم على توحيد الهوية المفتتة.
وفي السياق الفلسطيني، تصبح اللعبة وسيلة لاستعادة" الهامش الفلسطيني"، حيث يهرب سؤال الشارع المكبوت إلى لعبة لا تثير الضجر، مما يثبت أن" الأمة في خير ما دامت قادرة على الحماسة".
فالحماسة هنا ليست لهوا، بل هي دليل على أن العاطفة الجماعية لم تتبلد رغم الحصار والدمار.
كما يبرز درويش المفارقة بين واقع الحرب وسحر اللعبة، فكرة القدم على حد قوله هي" الجنون الساحر القادر على إعلان هدنة من أجل المتعة البريئة".
هذا الجنون يمتلك قدرة عجيبة على" تعطيل الخوف ساعة ونصف الساعة"، وتحويل الصواريخ المنهمرة إلى مجرد" ذباب مزعج".
إنها المعجزة التي تحققت خلف الحصار، حين بثت الحركة في شارع" حسبناه مات من الخوف ومن الضجر".
وحتى في وصفه للاعبين، يمزج درويش بين الجمالية الرياضية والواقع العسكري؛ فوصفه للاعب الإيطالي" باولو روسي" بأنه" شيطان نحيل لا نراه إلا بعد تسجيل الهدف، تماما كالطائرة القاذفة لا تُرى إلا بعد انفجار أهدافها"، يعكس كيف تغلغلت لغة الحرب في مخيلة الفلسطيني حتى وهو يتابع مباراة كرة قدم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك