لم تكن الأسواق البريطانية بمنأى عن التطورات السياسية التي كانت تعصف بحزب العمال على مدى الشهور الماضية، فقد كان الصراع في أروقة الحزب محفزاً أو مهدئاً لأسواق السندات ومعدل الفائدة على ديون الحكومة.
لكنّ مستوى هذا القلق بدأ يسيطر منذ هزيمة حزب العمال الكبيرة في الانتخابات المحلية في مايو/ أيار الماضي وبلغ ذروته يوم الاثنين مع تحقق التوقعات باستقالة كير ستارمر من قيادة الحزب، ومن ثم رئاسة الحكومة تحت ضغوط نواب الحزب في مجلس العموم.
وقال ستارمر أمس الاثنين" لقد استمعت إلى إجابة كتلتي البرلمانية عن ذلك السؤال، وأتقبل هذه الإجابة بروح طيبة".
وأضاف أن قراراته كانت دائماً تنطلق من وضع مصلحة البلاد في المقام الأول.
وقال: " لهذا السبب سأستقيل من زعامة حزب العمال".
ومن المتوقع أن يمهد رحيل ستارمر الطريق أمام أندي برنهام لتولي زمام السلطة في مقر رئاسة الوزراء في" 10 داونينغ ستريت".
وكانت الهزيمة الحاسمة التي ألحقها رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق بحزب" ريفورم يو كيه" بقيادة نايجل فاراج في الانتخابات الفرعية التي جرت الأسبوع الماضي في دائرة ميكرفيلد قد جردت رئيس الوزراء مما تبقى له من نفوذ.
وينظر نواب حزب العمال منذ فترة إلى ستارمر على أنه ليس الزعيم الشعبي الذي يمكن أن يقودهم لفوز في الانتخابات العامة المقبلة بعد ثلاث سنوات في مواجهة زعيم شعبوي مثل فاراج، ويرون في برنهام البديل الذي يمكن أن يحقق ذلك.
توجه الأسواق كانت السياسات المالية المتحفظة لرئيس الوزراء المستقيل ستارمر ووزيرة خزانته راتشيل ريفز على مدى العامين الماضيين بمثابة طمأنة للأسواق تجاه حجم الاقتراض وفق مراقبين، صحيح أن الأسواق ردت بشكل سلبي على بعض قرارات الحكومة مثل التراجع عن مشروع قرار خفض نفقات الرعاية الاجتماعية في العام الماضي، بسبب تمرد نواب الجناح اليساري في الحزب، لكنها في الغالب كانت تتابع بارتياح التزام الحكومة وريفز بتوجهات رئيسية مثل عدم الاقتراض لتمويل التسيير اليومي لنفقات الحكومة، وأن يكون الاقتراض لتمويل استثمارات جديدة بالأساس.
في المقابل تخشى الأسواق أن يكون اقتراب برنهام من مقعد رئاسة الحكومة، بما يمثله من شعبية وانتماء ليسار الحزب، بداية لسياسة مالية جديدة تدفع نحو مزيد من الاقتراض وتوسع في الإنفاق لإرضاء القاعدة الشعبية للحزب.
مظاهر قلق الأسواق وتفاعلها كانت واضحة في لندن منذ بداية تعاملات الاثنين، حيث تم تداول الجنيه الإسترليني قرب أدنى مستوياته هذا العام، فيما كان المتعاملون في الأسواق يقيمون ما إذا كانت حكومة حزب العمال الجديدة قد تعيد إحياء المخاوف بشأن الآفاق المالية للمملكة المتحدة.
وتراجعت العملة البريطانية بنسبة وصلت إلى 0.
4% لتبلغ 1.
3181 مقابل الدولار في وقت مبكر مقتربة من أدنى مستوى له في 2026 عند 1.
3159 دولار المسجل في مارس/آذار، قبل أن يقلص خسائره.
وقالت وكالة بلومبيرغ إن السؤال الأساسي بالنسبة للمستثمرين هو ما تأثير برنهام على مالية البلاد إذا وصل لموقع القيادة كما هو متوقع.
وتشعر الأسواق بالقلق من أي زيادة محتملة في إصدار السندات لتمويل الإنفاق، في ظل معاناة المملكة المتحدة بالفعل من مستويات ديون مرتفعة.
وقالت مذكرة استراتيجية لبنك الكومنولث الأسترالي" ستركز الأسواق على آراء برنهام بشأن السياسة المالية، وما إذا كان سيكون هناك أي تخفيف للقواعد المالية الحالية".
وأضافت أن" تخفيف القواعد المالية من المرجح أن يُستقبل سلباً في سوق السندات البريطانية، وقد يضغط على الجنيه الإسترليني".
يذكر المراقبون بأن هذه ليست المرة الأولى التي تتفاعل الأسواق بقلق تجاه التطورات السياسية في بريطانيا، لعل أخطرها كان في أزمة رئيسة حكومة المحافظين ليز تراس في عام 2022، عندما أعلنت تخفيضات ضريبية واسعة دون غطاء مالي، فاضطربت أسواق المال وتدخل بنك إنكلترا بسرعة لشراء سندات الخزانة ومنع انهيار صناديق التقاعد التي تعتمد عليها، واستقالت" تراس" بعد حكم لم يدم سوى 49 يوماً.
توجس الأسواق من برنهام يعود إلى تصريحات قديمة، قال فيها إن المملكة المتحدة يجب أن تتجاوز كونها" مرهونة لها" (للأسواق).
واعتبرت الأسواق أن ذلك يعني عجزاً أكبر في الميزانية ومزيداً من الديون، فردّت بالمثل عبر دفع عوائد السندات القياسية إلى الارتفاع مع اقترابه من تحدي رئيس الوزراء كير ستارمر.
وقال برنهام إن تعليقاته قد أُسيء فهمها آنذاك.
وذكر مقرب من برنهام أن النائب القادم عن دائرة ماكرسفيلد يدرك هشاشة أسواق السندات.
ويقول ستيف برايس، كبير مسؤولي الاستثمار العالمي في إدارة الثروات بمجموعة ستاندرد تشارترد في سنغافورة، إن عدم اليقين السياسي قد يخلق فرصة للشراء، لكنه يحتاج أولاً إلى رؤية موجة بيع.
وأضاف: " إذا كان برنهام يعتقد أنه يستطيع تحقيق النمو عبر زيادة الإنفاق، أعتقد أن الأسواق سيكون لها رأي مختلف في ذلك.
الأسواق عادة ما تكون هي المنتصر، وأعتقد أنه أذكى من ألا يدرك ذلك".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك