وكالة شينخوا الصينية - متحدث: ما يقرب من 1000 عامل طبي صيني يكافحون إيبولا إلى جانب الشعوب الأفريقية الجزيرة نت - مقاومة للرصاص ومحبة للخرسانة.. كيف غزت "سحالي لازاروس" أمريكا؟ وكالة الأناضول - تركيا تبرق بالتعازي لقطر في ضحايا انفجار مصنع "رأس لفان" التلفزيون العربي - اختتام المحادثات الفنية بين أميركا وإيران.. ما مصير الأموال المجمدة؟ Euronews عــربي - مخاوف إسرائيلية من "شرعية" إيرانية في لبنان.. ورسائل أميركية تنهي حرية التحرك؟ العربية نت - السعودية تؤكد دعمها لوحدة سوريا وتدعو لشطبها من قائمة الإرهاب CNN بالعربية - سيناتور يصف إدارة ترامب وفانس بأنها "غير جادة" و"مهزلة" بعد تجاهل القطريين لها القدس العربي - مدرب العراق يبرر السقوط أمام فرنسا قناة القاهرة الإخبارية - الصين تعيد رسم مستقبل السيارات.. هل بدأ العد التنازلي لعصر المركبات التقليدية؟ قناة القاهرة الإخبارية - كيف تُحاكي الأنظمة الذكية العقل البشري.. ولماذا يؤكد العلماء أنها لا تمتلك وعيًا حقيقيًا؟
عامة

خالد عصام و"شيخون" نبيَُ اليأس الجديد

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

يضعنا الكاتب المصري خالد عصام أمام تشريح حي لهذا الحنين الإنساني البدائي إلى المخلص في منطقة ملتوية يختلط فيها المرض بالحكاية، والهذيان باليقين، والفرد بالجماعة. ومع حكاية رجل يدّعي النبوة تنشغل روايت...

يضعنا الكاتب المصري خالد عصام أمام تشريح حي لهذا الحنين الإنساني البدائي إلى المخلص في منطقة ملتوية يختلط فيها المرض بالحكاية، والهذيان باليقين، والفرد بالجماعة.

ومع حكاية رجل يدّعي النبوة تنشغل روايته شيخون (دار المحروسة، القاهرة، 2025)، بفحص المسافة التي تقطعها الفكرة وهي تنتقل من رأس الرجل إلى رؤوس الآخرين، ثم تستقر في عقولهم متلبسة مظهر الحقيقة التي لا تقبل النقاش.

يبدأ كل شيء من طفولة مرتبكة تخضع لتربية ثقافية تعيش على الهامش.

يتأخر طفل في الكلام، فيُنظر إليه كإشارة ومقدمة لسر غيبي.

ومن هنا تعيد الأم صياغة الوقائع اليومية العادية في قالب إعجازي، فتتحول المصادفة بين يديها إلى علامة.

حادثة استخراج رأس تيس ميت من بئر قديمة تُدمج في قصة أكبر تصبح بمثابة القربان التأسيسي للأسطورة، ومن خلالها تتكون البذرة الأولى لطفل مُعجزة، وجماعة مأزومة تبحث عن معنى يرفع عنها عبء العجز.

مع الوقت، يتشكل حول شيخون نوع من الاعتراف الصامت.

لا تعلن الجماعة إيمانها بالأساطير التي تخلقها حول شيخون دفعة واحدة، لكنها تترك مساحة للفكرة كي تنمو وتتوطد في الوعي.

هنا يلعب اليُتم دوراً بنيوياً في اكتمال السيرة؛ فالصورة الذهنية للبطل الشعبي تكتمل بسهولة في المخيال الجمعي حين يكون بلا سند أرضي، ليصبح مهيأً للسند الغيبي الذي قد تنسجه الجماعة ذاتها لتأييد نبيها الجديد.

يتعلم شيخون الدين، ويكتب الشعر، ثم يتورط في المخدرات، ويتحرك بين حالات نفسية وسلوكية متباعدة.

أما الغريب في هذا التناقض الحاد أنه لا يُضعف صورته في عيون مريديه، بل يمنحها سيولة وقابلية للتأويل؛ فالاضطراب يُقرأ جلالاً، والضياع يُفسر كشفاً.

وفي هذه اللحظة تحديداً يظهر الشيخ سليمان، الذي يلعب دور العرّاب الأيديولوجي، فيمنح الفوضى إطاراً، ويقدم التخبط مرحلة صقل وتمهيد للرسالة التي يرجوها الناس.

تلتقط الرواية لحظة فارقة تولد فيها العقائد، حين تخلع الحكاية ثوبها الشخصي الضيق لتصبح ملكاً للجميع.

تتحول أوراق شيخون المهملة في الشقة، ودواوينه التي تفيض بالرموز مثل" رأس التيس" و" إني آنست ناراً"، من خانة الهذيان والشطحات الشعرية لتغدو نصوصاً مرجعية تؤسس لمعتقد جديد.

في هذه المرحلة الجديدة، يتلاشى شيخون الإنسان، فلا يلتفت أحد إلى خياناته أو خطاياه، إذ تحول إلى مجرد عنوان لطائفة آخذة في الاتساع.

صوت" كاريزمي" يزيح عن كاهل الأفراد عبء الاختيار وعناء التفكيرهذا التماس البنائي المحكم يصطدم برغبة الراوي العليم في الهيمنة؛ فهو يسير في الزمن بحرية، ويسكن وعي أبطاله، ويغدق في تقديم التفسيرات النفسية والاجتماعية.

يمنح هذا الخيار الحكاية تدفقاً ووضوحاً، غير أنه في الوقت ذاته يصادر فضاء القارئ أحياناً؛ فتأتي مشاهد كثيرة مثقلة بشروح وتنبؤات تكشف أن النص يخشى التباس فكرته.

يرى الطبيب النفسي الهولندي جوست ميرلو أن الجماهير حين تقع تحت وطأة الخوف المستمر والتوتر التاريخي، تفقد قدرتها على المحاكمة العقلية والنقد الذاتي.

ينهار الوعي المشترك أمام الأزمات العاصفة، فتتحول الرغبة في الأمان إلى تفتيش دائم عن سلطة مطلقة، أو صوت" كاريزمي" يزيح عن كاهل الأفراد عبء الاختيار وعناء التفكير.

يصبح الوهم هنا ملاذاً جماعياً مريحاً، وآلية دفاعية نفسية تمنح الحشود تفسيرات تبسيطية لواقعها المعقد والمخيف.

يمنحنا هذا التفكيك النفسي لآليات الهوس الجمعي مفتاحاً أساسياً لقراءة الرواية؛ فالولاية الشعبية تظهر من حاجة الجماعة إلى صياغة بديلة لواقعها المأزوم.

يولد المخلّص من رحم الرغبة العارمة لدى الحشود في العثور على مخرج من تيهها الوجودي والاجتماعي.

اكتفى شيخون بتقديم عود الثقاب الأول عبر شطحاته واضطرابه، لتتولى الجماهير من بعده حراسة النار وإشعال الحطب.

والخوف المشترك يفتش دائماً عن صوت حازم يقدم إجابات جاهزة، ويخفف عن النفوس ثقل الحيرة وسط الركام.

لقد صُنعت الأسطورة في هذه المساحة المشتركة، حيث قدم الفرد اضطرابه الداخلي علامةً وكشفاً، ووفرت له الجموع تلهفها وحاجتها لتصنع منه بطلاً تلوذ به من انكسارها.

داخل منظومة الشيخونية، تتشكل بنية العقيدة من تلاقي تيارين متناقضين؛ العاطفة المتوقدة التي تمثلها سعاد، والبرود التنظيمي الذي يقوده عمر الخطاط.

سعاد هي القلب النابض لهذا الإيمان، فهي تتجاوز صورة شيخون بوصفه شخصاً مأزوماً، وتختار فيه إجابة مطلقة لتساؤلات العصر.

تكشف عبارتها في لحظة محاولة انتحار شيخون عمق هذا التوجه" هذا الزمان بكل ما جرى فيه من أحداث فاقت العقل والمنطق لا ينقصه سوى نبي جديد ليعدل موازين الوجود".

يوضح هذا النداء طبيعة إيمانها؛ فهو إيمان مدفوع بحاجة ملحة للخلاص، وعطش روحي يسبق أي قناعة معرفية أو عقلانية.

يظهر عمر الخطاط في المقابل ليهندس للأسطورة، فيتجاوز حدود الإيمان الوجداني الذي تمثله سعاد، جاعلاً من مأسسة هذه الفكرة حركة مادية ملموسة.

يدرك الخطاط بوعي براغماتي أن الأفكار تذوب في الهواء ما لم تجد هيكلاً يحميها ويستثمر في انتشارها.

لذا، يعمد إلى تطويع الخرافة وجعلها ضرورة لا بد منها لاكتساب العامة، فيصوغ نظاماً دقيقاً يعتمد على ثلاثة أركان: معتقد يتخذ صبغة العقلانية، وطقس صلاة ميسر، والذبح المقدس أداة للتطهير.

تكمن غايته في الفاعلية والقدرة على الانتشار، فتتحول الشيخونية تحت يده من حالة شعورية مائعة إلى عقيدة صلبة الأركان.

رغبة عارمة لدى الحشود في العثور على مخرج من تيهها الوجوديتبرز الشخصية الأكثر إثارة وتفكيكاً في هذا المسار في الدكتور يوسف.

يبدأ الطبيب النفسي من موقع علمي واضح، يحاول أن يفسر، ويراقب التشنجات، ويفصل بصرامة معملية بين المرض والادعاء، معتقداً أن شيخون يستغل الجريمة قناعاً أخيراً لتمرير خطته.

لكن، مع طول الحوار داخل غرف المصحة بينهما، يتغير موقعه تماماً.

لا يتحول يوسف إلى مؤمن بالمعنى الغيبي التقليدي، لكنه يقترب من الفكرة من زاوية نفعية.

يرى في أفكار شيخون ثورة على الخرافة ودعوة حارة إلى الحرية، فيتجاوز السؤال الجوهري عن مصدر الفكرة؛ أهي وحي، أم مرض، أم ادعاء؟ هنا يحدث التحول الصادم من تفسير الظاهرة وتحليلها علمياً إلى التورط فيها مبطناً رغبة دفينة في تبني سياقها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك