قبل 15 عامًا، فقدت مصر والعالم الإسلامي واحدًا من أبرز رموز التلاوة القرآنية، الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي ارتبط اسمه بالإبداع في قراءة القرآن الكريم حتى استحق ألقابًا عدة، أبرزها «كروان دولة التلاوة» و«ملك مقام الصبا»، وبصوته العذب وأسلوبه المتفرد، نجح في أن يترك بصمة خالدة في مدرسة التلاوة المصرية، التي حمل رسالتها إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وفق المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف، تحل اليوم الذكرى الـ15 لرحيل الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي وافته المنية في 23 يونيو 2011 عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد رحلة طويلة من العطاء في خدمة القرآن الكريم، امتدت لأكثر من سبعة عقود.
نشأة مبكرة وبداية استثنائيةوُلد الشيخ أبو العينين شعيشع في 12 أغسطس عام 1922 بمدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، وكان الابن الثاني عشر لوالده، ومنذ سنواته الأولى، ظهرت ملامح موهبته الاستثنائية، فالتحق بكُتّاب المدينة، وأتم حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ يوسف شتا قبل أن يتجاوز العاشرة من عمره.
وسرعان ما ذاع صيته قارئًا للقرآن الكريم عام 1936، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، عقب مشاركته في إحياء إحدى المناسبات الدينية بمدينة المنصورة، حيث أبهر الحضور بقدراته الصوتية وتمكنه من المقامات القرآنية المختلفة.
من الإذاعة إلى تأسيس مدرسة خاصة في التلاوةفي عام 1939 التحق بالإذاعة المصرية، متأثرًا في بداياته بأسلوب الشيخ محمد رفعت، لكنه سرعان ما نجح في تأسيس مدرسة مستقلة في التلاوة، تميزت بالعذوبة والمرونة والقدرة الفائقة على التعبير عن المعاني القرآنية.
ولم يكن تأثره بالشيخ محمد رفعت عابرًا، إذ استعانت به الإذاعة المصرية لاحقًا للمساهمة في ترميم بعض الأجزاء التالفة من تسجيلات الشيخ رفعت، مستفيدة من قدرته النادرة على محاكاة الأداء الصوتي بدقة كبيرة.
أول قارئ مصري يتلو القرآن في المسجد الأقصىويُسجل التاريخ للشيخ أبو العينين شعيشع أنه كان من أوائل القراء المصريين الذين تشرفوا بتلاوة القرآن الكريم في المسجد الأقصى، في خطوة عكست مكانته الكبيرة بين قراء العالم الإسلامي.
كما جاب عشرات الدول العربية والإسلامية سفيرًا للقرآن الكريم، ممثلًا لمصر في المناسبات الدينية الكبرى، وأسهم في نشر مدرسة التلاوة المصرية وترسيخ مكانتها عالميًا.
مسيرة حافلة بالمناصب والإنجازاتوفي عام 1969 عُيّن قارئًا لمسجد عمر مكرم بميدان التحرير، أحد أشهر منابر التلاوة في مصر، قبل أن ينتقل عام 1992 قارئًا لمسجد السيدة زينب بالقاهرة.
ولعب دورًا بارزًا في تأسيس نقابة قراء القرآن الكريم خلال سبعينيات القرن الماضي، بالتعاون مع نخبة من كبار القراء، ثم انتُخب نقيبًا للقراء عام 1988 خلفًا للشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد، وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته.
كما شغل عددًا من المناصب الدينية المهمة، من بينها عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعمادة المعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم، وعضوية لجنة اختبار القراء بالإذاعة والتليفزيون، واللجنة العليا للقرآن الكريم بوزارة الأوقاف.
وخلال مسيرته الطويلة، حصد الشيخ أبو العينين شعيشع العديد من الأوسمة وشهادات التقدير من مختلف الدول العربية والإسلامية، من بينها وسام الرافدين من العراق، ووسام الأرز من لبنان، ووسام الاستحقاق من سوريا وفلسطين، تقديرًا لدوره البارز في خدمة القرآن الكريم ونشر رسالة التلاوة المصرية.
ابنته: كان مدرسة متفردة في التلاوةوقالت منى أبو العينين شعيشع، ابنة القارئ الراحل في تصريح خاص لـ«الوطن»، إنَّ والدها لم يكن مجرد قارئ للقرآن الكريم، بل كان مدرسة متكاملة في فن التلاوة، تركت أثرًا كبيرًا في نفوس محبيه وتلاميذه داخل مصر وخارجها.
وأضافت أنَّ الراحل كرّس حياته لخدمة كتاب الله، وظل حتى آخر أيامه حريصًا على دعم الأجيال الجديدة من القراء ونقل خبراته إليهم، مؤكدة أن استمرار محبة الناس له بعد مرور 15 عامًا على رحيله يمثل أعظم تكريم لمسيرته الحافلة بالعطاء.
ابنة شقيق الشيخ: التواضع كان أبرز صفاتهفيما قالت مديحة أحمد شعيشع، ابنة شقيقة الشيخ الراحل، إنَّ والدها الشيخ أحمد شعيشع كان رفيق درب الشيخ أبو العينين طوال مشواره القرآني، وشهد عن قرب مراحل تألقه وصعوده بين كبار القراء.
وأكّدت أنَّ الراحل عُرف بأخلاقه الرفيعة وتواضعه الشديد رغم شهرته الواسعة، وظل مرتبطًا بأهالي مدينته بيلا وبأفراد أسرته حتى آخر أيامه، مشيرة إلى أن تسجيلاته القرآنية تمثل إرثًا دينيًا وفنيًا خالدًا تتناقله الأجيال.
ابنة شقيقته: ذكرياته لا تُنسى في بيلاوفي السياق نفسه، أوضحت ثريا الهنداوي ابنة شقيقة الشيخ أبو العينين شعيشع، أنَّ الراحل كان يمثل قيمة كبيرة داخل الأسرة وخارجها، ليس فقط باعتباره أحد أعظم قراء القرآن الكريم، بل لما عُرف عنه من دماثة الخلق وحب الناس.
وأضافت أنَّ زياراته المتكررة إلى مدينة بيلا كانت تمثل مناسبة خاصة لأهالي المدينة وأفراد العائلة، الذين كانوا يلتفون حوله للاستماع إلى نصائحه وأحاديثه، مؤكدة أن ذكراه لا تزال حاضرة في قلوب محبيه، وأن تراثه القرآني سيبقى شاهدًا على مسيرة استثنائية لرجل وهب حياته لخدمة كتاب الله.
حفيد الشيخ أحمد شعيشع: الراحل كان رمزًا للالتزام والهيبةوقال صفي الدين مصطفى أحمد شعيشع حفيد الشيخ أحمد شعيشع الشقيق الأكبر للشيخ أبو العينين شعيشع، إنَّ الراحل كان نموذجًا نادرًا في الالتزام والهيبة والخلق الرفيع داخل الأسرة وخارجها، مشيرًا إلى أن العائلة كانت ترى فيه رمزًا للفخر والقدوة التي يُحتذى بها.
وأضاف أنَّ الشيخ أبو العينين لم يكن مجرد قارئ للقرآن الكريم، بل كان صاحب حضور إنساني مؤثر يجمع بين التواضع الشديد ومكانة علمية وصوتية رفيعة، لافتًا إلى أن ذكراه ما زالت حاضرة في كل تفاصيل الحياة الأسرية، وأن صوته لا يزال يملأ القلوب خشوعًا حتى بعد مرور سنوات على رحيله.
وفي 23 يونيو 2011، رحل الشيخ أبو العينين شعيشع عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا قرآنيًا كبيرًا ما زال حاضرًا في وجدان الملايين.
ودُفن القارئ الراحل بالقاهرة في المقابر المجاورة لكلية البنات التابعة لجامعة الأزهر، فيما أُقيمت صلاة الغائب عليه في مسقط رأسه بمدينة بيلا، وخُصصت خطبة الجمعة التالية لوفاته للحديث عن مناقبه وإسهاماته، تقديرًا لمسيرة أحد أبرز أعلام التلاوة في العصر الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك