من بذور الشك إلى حرائق الفتنة.
الشائعات وتفكيك النسيج الاجتماعي السوريفي أعقاب عقد ونصف من الحرب السورية الطاحنة التي خلفت دمارا ماديا ونفسيا غير مسبوق، يبرز خطر خفي، لكنه أشد فتكا من المدافع والبراميل المتفجرة: الشائعة.
إنها ليست مجرد كلام عابر يتناقله الناس في المقاهي أو على وسائل التواصل، بل هي سلاح إستراتيجي مدروس يستهدف أعمق ما في المجتمع، ويضرب في نسيجه الاجتماعي وثقته المتبادلة ووعيه الجماعي.
وفي سوريا الخارجة من حرب تحرير طويلة، حيث باتت الثقة سلعة نادرة وأصبح التخوين رفيقا يوميا، تتحول الشائعة إلى أداة تفريق فعالة بين أبناء الشعب الواحد، سواء على أساس طائفي أو سياسي أو ثوري.
النظام السابق لم يعتمد فقط على الجيش والمخابرات، بل على آلة إعلامية واستخباراتية متطورة في صناعة الشائعات وتناقلهاطبيعة الشائعة وآليات عملها النفسية والسياسيةالشائعة في جوهرها هي معلومة غير مؤكدة تروج بسرعة البرق أو" الرائج" (Trend)، مستفيدة من الفراغ المعرفي والتوتر العاطفي، وتعتمد غالبا على ثلاث ركائز أساسية: الخوف، والغضب، والانتماء.
فهي تلبس ثوب الحقيقة المكبوتة، وتستغل الجراح المفتوحة لتحول الشك الفردي إلى قناعة جماعية.
وفي علم النفس الاجتماعي تُعرف الشائعة بأنها" سلاح الضعفاء"، لكنها في الواقع سلاح الأقوياء الخفيين الذين يملكون القدرة على توجيهها.
وفي السياق السياسي، تشكل الشائعات جزءا من الحرب النفسية (Psychological Warfare) التي تهدف إلى تفكيك الإرادة الجماعية قبل تفكيك المؤسسات.
إنها لا تقتل بالرصاص، بل تميت الثقة، وتحول الجار إلى مشتبه به، والرفيق في الثورة إلى عميل محتمل.
وهذا ما عبر عنه مارتن لوثر كينغ بقوله: " إن الظلم في مكان ما يهدد العدل في كل مكان"، لكن في عصر الشائعات يصبح الشك في مكان ما يفجر الفتنة في كل مكان.
كيف يستغل العدو الشائعات في مخططاته الخفية؟العدو، سواء كان النظام البائد وأذرعه المتبقية، أو قوى إقليمية أو دولية لها مصالح في بقاء سوريا ضعيفة وممزقة، يدرك تماما قيمة هذا السلاح.
ففي زمن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت الشائعة أقل تكلفة وأسرع من أي قذيفة.
يكفي إنشاء حسابات وهمية، أو صفحات مجهولة، أو حتى الاستعانة بأشخاص مأجورين لإطلاق قنبلة إعلامية تفجر مجتمعا بأكمله.
وتعتمد هذه الإستراتيجية على مبدأ" فرق تسد" (Divide and Conquer).
فبدلا من مواجهة جبهة موحدة، يفضل العدو خلق جبهات متعددة متصارعة.
وفي سوريا يستخدم هذا الأسلوب لمنع تشكل تحالف وطني حقيقي يجمع بين مكونات الشعب.
فالشائعة الطائفية تعيد إحياء الخوف المتبادل، والشائعة الثورية تقسم أبناءها إلى معسكرات، والشائعة الاقتصادية تثير الغضب الشعبي ضد أي سلطة جديدة.
والنتيجة: شارع مشتت، غير قادر على التركيز على إعادة الإعمار أو بناء المؤسسات، ومشغول دائما بسؤال: " من خان ومن باع؟ ".
وهذا ليس افتراضا نظريا؛ فالتاريخ مليء بالأمثلة، من شائعات" الخنجر اليهودي" في ألمانيا النازية، إلى شائعات" الإخوان يسيطرون" في مصر، وصولا إلى استخدام النظام البائد نفسه لشائعات" القاعدة" و" داعش" لتبرير قصفه المدنيين.
واليوم تتكرر اللعبة بأدوات أحدث: الذكاء الاصطناعي المستخدم في صناعة الصور والفيديوهات المزيفة أو" التزييف العميق" (Deepfakes)، والخوارزميات التي تروج للمحتوى الأكثر إثارة للعواطف.
الإعلام الجديد، الذي كان يفترض أن يكون أداة ديمقراطية، فقد يصبح في سوريا أداة استبداد رقمي يستغلها الأعداء والمتربصون لتدار من خلالها المجتمعات عن بعدالنتائج الكارثية على الشارع والمواطنالشائعات لا تدمر الثقة فقط، إنما تدمر القدرة على الفعل الجماعي.
وفي سوريا ينتج عنها:احتقان الشارع، حيث يتحول الاحتجاج السلمي إلى مواجهات داخلية.
هجرة العقول، فالشباب الذين يفقدون الأمل في بناء وطن يغرقون في دوامة الشك.
إضعاف الاقتصاد، فالشائعات عن" انهيار العملة" أو" فوضى قادمة" تسرع الانهيار الحقيقي.
تآكل الهوية الوطنية، فعندما يصبح كل شخص طائفيا أو عميلا في عيون الآخر، يتلاشى مفهوم السوري ككل.
وهذا يخدم بالضبط من يريد سوريا دولة فاشلة، أو محمية طائفية، أو ساحة صراع إقليمي مفتوحة.
كما أن الاستخدام السلبي للإعلام الرقمي وسرعة الانتشار يفاقمان أزمة الثقة المزمنة، ليتحول المواطن من ضحية للحرب إلى مشارك غير واع في تدمير ما تبقى من النسيج الاجتماعي.
فالاحتقان ينتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع: مواجهات في الشوارع، واتهامات متبادلة، وتراجع في الثقة بأي مشروع وطني.
والنتيجة النهائية هي شلل سياسي يمنع سوريا من النهوض، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية تحت ذريعة استقرار المنطقة أو حماية الأقليات.
أما الإعلام الجديد، الذي كان يفترض أن يكون أداة ديمقراطية، فقد يصبح في سوريا أداة استبداد رقمي يستغلها الأعداء والمتربصون لتدار من خلالها المجتمعات عن بعد؛ فمن يسيطر على السردية الرقمية يسيطر على الوعي الجمعي، وبالتالي على المستقبل.
من يسيطر على روايته الوطنية يسيطر على مستقبله، والشعب السوري، بعد كل هذا الدم، يستحق أن يخرج من دوامة الوهم إلى نور الحقيقةالمواجهة تتطلب إستراتيجية متعددة الأبعاد:بناء ثقافة التحقق: تشجيع الجمهور على عدم نشر أي خبر دون مصدر موثوق، واستخدام أدوات التحقق من الحقائق والتواصل مع المصادر.
تعزيز الشفافية: أي سلطة جديدة يجب أن تكون شفافة في قراراتها، فالشفافية هي أفضل مضاد للشائعات.
تأسيس إعلام وطني مسؤول: يركز على الحقائق والمصالحة الوطنية لا على الإثارة، ويبني جسور الثقة بين الإعلام والمواطن.
تشريعات واضحة: فرض عقوبات على من يتعمد بث الشائعات المضرة بالأمن الاجتماعي، مع ضمان عدم استخدامها لقمع الحريات.
تعليم الوعي الإعلامي: في المدارس والجامعات، ليصبح الجيل الجديد قادرا على تمييز السم من العسل.
في النهاية، لا تحتاج سوريا فقط إلى إعادة إعمار مادي، بل إلى إعادة بناء الثقة، والشائعة هي أكبر عدو لهذه الثقة.
فمن يسيطر على روايته الوطنية يسيطر على مستقبله، والشعب السوري، بعد كل هذا الدم، يستحق أن يخرج من دوامة الوهم إلى نور الحقيقة والوحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك