في الرابعة فجرًا، كانت المقاهي ممتلئة عن آخرها، والشوارع لم تنم بعد، والهواتف تضيء وجوه المصريين وهم يتابعون منتخب بلادهم بشغف افتقدوه لسنوات طويلة، وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية معلنًا تحقيق منتخب مصر الفوز التاريخي الأول في بطولة كأس العالم على نيوزيلندا، حتى انطلقت الهتافات من كل مكان: " أهم.
أهم.
أهم.
المصريين أهم".
في تلك اللحظة تحديدًا، لم أفكر في النتيجة ولا في ترتيب المجموعة، بل عاد بي الزمن أكثر من ثلاثة عقود إلى الوراء، إلى اللحظة التي وقعت فيها لأول مرة في حب منتخب مصر.
لمزيد من أخبار كأس العالم 2026 اضغط هنالا شيء على الإطلاق أكثر تأثيرًا وإغراءً بالنسبة لي من مشهد الجماهير المتراصة في المدرجات أو المتحلقة أمام الشاشات لتشجيع منتخب بلدها، في لوحة يغلفها الحب الصادق للوطن والرغبة الدائمة في رؤيته في المقدمة.
قديمًا، كنت أتساءل: كيف يمكن لهذا الكم الهائل من البشر أن يقف خلف أقدام مجموعة من اللاعبين؟ كيف تتحول مباراة كرة قدم إلى قضية تشغل شعبًا بأكمله؟طفلًا، كنت أراقب وجوه الجماهير أكثر مما أتابع الكرة نفسها، وأتأمل ملامح الفرح والقلق والترقب، وأتابع الانفعالات التي تصاحب كل هجمة أو فرصة ضائعة، كنت أظن أن سر اللعبة في المستطيل الأخضر، لكنني اكتشفت لاحقًا أن سرها الحقيقي يكمن في المدرجات والقلوب التي تنبض خلف المنتخب.
ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر شغفًا بمتابعة المباريات وأكثر ارتباطًا بفكرة تشجيع المنتخب الوطني، ولم أعد أقبل فكرة رؤيته مهزومًا، لأن المنتخب بالنسبة لي لم يعد مجرد فريق كرة قدم، بل أصبح جزءًا من معنى الانتماء نفسه.
كانت بداية التعلق الحقيقي في تلك الليلة الخالدة عام 1989، والتي كان بطلها حسام حسن عندما سجل هدف التأهل الشهير في مرمى الجزائر، ليقود منتخب مصر إلى كأس العالم 1990 بإيطاليا بعد غياب دام 56 عامًا.
وقتها، كنت طفلًا لم يتجاوز التاسعة من عمره، لكنني كنت أدرك أنني أشاهد لحظة ستظل حاضرة في ذاكرة المصريين طويلًا، وازداد تعلقي بالمنتخب خلال مباريات مونديال إيطاليا، وتحديدًا في المباراة التاريخية أمام هولندا، وحتى اليوم، لا تزال عبارة المعلق الرياضي الكبير الراحل محمود بكر: " عدالة السماء نزلت على ستاد باليرمو" عالقة في ذهني وكأنها قيلت بالأمس.
جاءت تلك العبارة بعد الانطلاقة الشهيرة لحسام حسن، حين أرسل هشام يكن كرة طويلة انفرد على أثرها مهاجم مصر بالمرمى، قبل أن يتعرض للعرقلة من رونالد كومان، ليحتسب الحكم ركلة جزاء غيرت مسار المباراة.
كانت هولندا متقدمة بهدف، وكان كثيرون يتوقعون خسارة ثقيلة للمنتخب المصري أمام أحد أقوى منتخبات العالم، لكن مجدي عبد الغني تقدم بثبات وسدد الكرة داخل الشباك، لتنفجر الأفراح في شوارع المحروسة، ويكتب الفراعنة واحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في ذاكرة الجماهير.
منذ تلك اللحظة، لم يعد حسام حسن مجرد مهاجم يسجل الأهداف، بل تحول إلى رمز للإصرار والقتال وعدم الاستسلام، فقد كان لاعبًا يمنح الجماهير الأمل قبل أن يمنحها الانتصارات.
وبعد بطولة مونديال 90، واصل حسام حسن تألقه حتى أصبح أحد أعظم المهاجمين في تاريخ الكرة المصرية، فيما شكل مع شقيقه التوأم إبراهيم حسن ثنائيًا استثنائيًا تجاوز حدود الانتماءات التقليدية بين الأهلي والزمالك، لأن الجماهير رأت فيهما دائمًا نموذجًا للاعب الذي يقاتل من أجل القميص الذي يرتديه.
ومنذ ذلك الوقت، وأنا أعشق تجربة التوأم حسن، اللذين تحولا إلى" ماركة مسجلة" في قلوب الجماهير المصرية بمختلف انتماءاتها، لما امتلكاه من روح قتالية وغيرة استثنائية على القميص الذي يحملان شعاره، سواء مع الأهلي أو الزمالك أو أي فريق لعبا له خلال مسيرتهما الطويلة.
وبعيدًا عن أي انتماء كروي، يبقى الوقوف خلف منتخب مصر هو المعنى الأجمل والأكثر قيمة، فلا يوجد ما يستحق الدعم أكثر من منتخب يحمل اسم بلدك ويسعى لرفع رايتها في المحافل الدولية.
ما أجمل تلك المشاهد التي عشناها عندما خرجت الجماهير تحمل أعلام مصر في الشوارع والميادين، وكانت الفرحة والزغاريد والاحتفالات عنوانًا لكل بيت مصري بعد انتصارات المنتخب الوطني.
وعند العودة بالذاكرة، سنجد أن أجمل الليالي التي عشناها كانت في مونديال 1990 مع الجنرال محمود الجوهري، ثم مع لقب كأس الأمم الأفريقية 1998، قبل أن تبلغ ذروتها مع الجيل الذهبي بقيادة حسن شحاتة والثلاثية التاريخية في أعوام 2006 و2008 و2010.
لم تكن تلك الانتصارات مجرد بطولات، بل كانت لحظات نادرة من الانسجام الوطني، شعر خلالها المصريون بأنهم يقفون جميعًا في صف واحد خلف حلم واحد وعلم واحد.
هذه الحالة افتقدها المنتخب في السنوات الفائتة مع قائمة كبيرة من المدربين الأجانب، حتى عاد التوأم حسن من جديد إلى المشهد.
منذ توليهما المسؤولية، لم يتوقف حسام وإبراهيم عن الحديث حول أهمية استعادة روح المنتخب وإعادة الجماهير إلى المشهد، فلم يكن الأمر مجرد تصريحات إعلامية، بل مشروعًا لإعادة بناء العلاقة بين المنتخب وجماهيره، واستعادة الثقة التي تراجعت خلال سنوات طويلة.
ومع مرور الوقت، بدأت النتائج تظهر بوضوح، وتأهلنا إلى كأس العالم 2026، وعادت الجماهير للمدرجات، وعادت المقاهي للازدحام، وعادت البيوت المصرية لتعيش أجواء المنتخب التي افتقدتها طويلًا.
وجاء الفوز على نيوزيلندا بثلاثية زيكو ومحمد صلاح وتريزيجيه، وما صاحبه من فرحة عارمة للجماهير المصرية في الشوارع، ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بثلاث نقاط فقط، بل بعودة شعور افتقدناه لسنوات، شعور الالتفاف حول منتخب يمثل الجميع.
هذا المشهد هو بطله أيضًا حسام حسن، ومعه إبراهيم وكل أعضاء الجهاز الفني واللاعبين، وعلى رأسهم نجمنا العالمي محمد صلاح، الذي يواصل كتابة التاريخ بقميص الفراعنة ويمنح الأجيال الجديدة نموذجًا للاعب الذي يضع منتخب بلاده فوق كل اعتبار، ويكمل مسيرته الحافلة بالإنجازات والأرقام القياسية.
الحقيقة الملموسة للجميع الآن أن التوأم حسام وإبراهيم حسن نجحا في تحقيق ما كان يبدو صعبًا: إعادة الثقة إلى المنتخب، وإعادة الجماهير إلى المدرجات والشاشات، وإعادة الإيمان بأن الكرة المصرية ما زالت قادرة على المنافسة والحلم.
واليوم، وبعد مسيرة أسطورية كلاعب، يثبت حسام حسن أنه لا يكتفي بمكانته كأحد أعظم المهاجمين في تاريخ مصر، وكذلك إبراهيم حسن كأفضل ظهير أيمن مر عبر عصورنا الكروية، بل يسعى التوأم إلى صناعة مجد جديد من خارج الخطوط.
ربما يفوز المنتخب ببطولة أو يودعها، وربما تتحقق الأحلام ويواصل التقدم إلى المنافسة في المونديال أو تتأجل، لكن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها: حسام حسن حقق بالفعل انتصارًا مهمًا قبل أي لقب أو إنجاز.
لقد أعاد التوأم حسن منتخب مصر إلى قلوب المصريين، وأعاد للمصريين شعورًا افتقدوه طويلًا.
أن هناك لاعبين يرتدون قميص منتخبنا الوطني، يستحقون أن نستيقظ من أجلهم في الرابعة فجرًا، وأن نحلم معهم حتى آخر دقيقة.
ويارب النصر دائمًا حليفًا لمصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك