في وقت تشهد فيه أوروبا موجة حرّ استثنائية، هي الثانية من نوعها هذا العام، شدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس على أن تحرّك العالم للحدّ من احترار المناخ لا بدّ من أن يكون أكثر إلحاحاً، وذلك في كلمة ألقاها أمام أسبوع لندن للعمل المناخي 2026.
وكان غوتيريس، الذي يمضي بحزم، منذ سنوات، في معركة لمكافحة تغيّر المناخ وتداعياته، قد نشر تدوينة على موقع إكس، أمس الاثنين، جاء فيها: " لقد وصلت للتوّ إلى لندن، مع توقّع موجة حرّ شديدة بكلّ تبعاتها الدرامية".
وأضاف: " صار من الواضح، وبصورة متزايدة، أنّ تغيّر المناخ لم يعد تهديداً بعيداً"، مؤكداً" نشعر بتأثيراته الآن".
وتابع المسؤول الأممي أنّ" رسالتي في أسبوع لندن للعمل المناخي هي: أكثر من أيّ وقت مضى، يجب الإسراع في الانتقال إلى الطاقة النظيفة".
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، في كلمة له أمام أسبوع لندن للعمل المناخي، الحدث السنوي البارز في العاصمة البريطانية الذي يستمرّ حتى 28 يونيو/ حزيران الجاري، إنّه" لم يعد بإمكاننا الاعتماد على نظام قائم على الوقود الأحفوري يغذّي كلّ من أزمة المناخ وأزمة الطاقة"، في ظلّ موجة حرّ قياسية تشهدها أوروبا في الوقت الراهن تمثّل دليلاً إضافياً على تغيّر المناخ الناجم بصورة رئيسية عن حرق الفحم والنفط والغاز.
يُذكر أنّ الخبراء يُجمِعون على أنّ تغيّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية يفاقم حدّة الظواهر المناخية المتطرّفة، ولا سيّما موجات الحرّ.
ووجّه غوتيريس نداءً، وصفته المنظمة الأممية بـ" القوي"، من أجل اتّخاذ إجراءات عالمية أكثر طموحاً لمواجهة تغيّر المناخ الناجم عن الوقود الأحفوري، والحؤول دون وقوع أضرار لا رجعة فيها، وطالب بـ" انتقال سريع وعادل إلى الطاقة النظيفة، وتعزيز التكيّف والمرونة والعدالة المناخية لمن يواجهون بالفعل أضراراً من جرّاء تغيّر المناخ".
في سياق متصل، دعا الأمين العام للأمم المتحدة كبار المسؤولين في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى" قول الحقيقة كاملة" بشأن الكلفة البيئية المترتّبة عن مراكز البيانات المستخدمة في هذه التكنولوجيا.
وأضاف: " لا نريد مزيداً من التكاليف الخفيّة ولا مزيداً من تحميل الأعباء للفئات الأقلّ قدرة على تحمّلها"، مشدّداً على أنّ" الوقت حان لقول الحقيقة كاملة؛ إذا كان للذكاء الاصطناعي أن يساهم في بناء مستقبل أفضل فلا بدّ له من أن يترافق مع الصدق والشفافية بشأن كلفته علينا اليوم".
وأعلن غوتيريس عن إطلاق مبادرة للشفافية البيئية في مجال الذكاء الاصطناعي، تدعو الشركات العالمية العملاقة في هذا القطاع إلى قياس بيانات البصمة البيئية لعملياتها ونشرها، بما يشمل استهلاك الكربون والمياه واستخدام الأراضي، والالتزام بتشغيل هذه الأنشطة باستخدام الطاقة المتجدّدة بحلول نهاية العقد الحالي.
تجدر الإشارة إلى أنّ مراكز البيانات، وهي مستودعات ضخمة للخوادم التي تشغّل الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية الأخرى، تستهلك كميات كبيرة من الطاقة.
ولو كانت هذه المراكز دولة مستقلة، لاحتلت المرتبة الحادية عشرة عالمياً لجهة الاستهلاك، مباشرةً بعد فرنسا وفقاً لدراسة قادتها الأمم المتحدة ونُشرت في أوائل يونيو الجاري.
وبيّن الأمين العام للأمم المتحدة، في الكلمة التي ألقاها في أسبوع لندن للعمل المناخي، اليوم الثلاثاء، أنّ" المجتمعات تُترَك في الغالب في حالة من الجهل بشأن الأثر البيئي للبنية التحتية التي تتوسّع من حولها"، مقرّاً في الوقت نفسه بأنّ الذكاء الاصطناعي، وإن كان قادراً على المساعدة في" تسريع وتيرة الحلول المناخية"، إلا أنّه" يستهلك كميات هائلة من الأراضي والمياه والطاقة".
وإلى جانب المقترح المتعلق بقطاع التكنولوجيا، أطلق غوتيريس كذلك" دعوة عالمية للعمل بشأن غاز الميثان" الذي يُعَدّ ثاني أكبر مسبّب لتغيّر المناخ بعد ثاني أكسيد الكربون، بهدف تحقيق" انبعاثات تقارب الصفر عبر سلسلة القيمة بأكملها".
وتتضمّن مقترحات غوتيريس مجموعة من الأهداف الرامية إلى معالجة تسرّب الميثان في قطاعَي النفط والغاز، والحدّ من ممارسات من قبيل حرق الغاز الطبيعي المنبعث في أثناء استخراج النفط من دون الاستفادة منه.
كذلك، يسعى إلى تخفيض الانبعاثات الناجمة عن القطاع الزراعي وعن مواقع طمر النفايات.
ويُعزى نحو 60% من انبعاثات الميثان العالمية، وهو غاز عديم الرائحة وغير مرئي، إلى الأنشطة البشرية، وتُعَدّ الزراعة المصدر الرئيسي لهذه الانبعاثات، يليها قطاع الطاقة.
ويتّسم هذا الغاز بقدرة على التسبّب في الاحترار تفوق بكثير تلك العائدة لثاني أكسيد الكربون.
وكانت فعاليات أسبوع لندن للعمل المناخي 2026 قد انطلقت أمس الاثنين، وفي خلالها يركّز الشركاء على تحويل الطموح إلى إنجازات ملموسة على طريق المؤتمر الحادي والثلاثين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 31) المرتقبة في تركيا في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
ويوضح" تحالف المناخ والهواء النظيف" أنّ جهود الحكومات والشركات والمؤسسات الخيرية والمدن والمنظمات الدولية والمجتمع المدني تتضافر، في مختلف أنحاء المدينة، لمواجهة تحدّ مشترك وتسريع وتيرة التنفيذ على نطاق واسع.
ويُعَدّ" تحالف المناخ والهواء النظيف" (سي سي إيه سي) شراكة تطوّعية مستقلة، تحت مظلّة برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تضمّ أكثر من 200 حكومة ومنظمة وشركة ومؤسسة علمية ومنظمة مجتمع مدني ملتزمة بحماية المناخ ومراقبة جودة الهواء.
(العربي الجديد، فرانس برس).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك