فكرت قبل سنوات في كتابة سيناريو عن الشيخ الإمام المغيلي الذي عرف بدوره في توسيع رقعة نشر الإسلام في إفريقيا.
وبعد أكثر من سنة عمل تم إنجاز السيناريو لجهة رسمية وطنية.
لكننا لم نفق عن أي «مغيلي» سنتحدث؟ المغيلي بكله، بسلبياته وأخطائه وجهوده العظيمة؟ ام المغيلي كما تريده المؤسسة؟ ومالت رؤيتي إلى المغيلي الكلي.
هذه السنة وجدت نفسي مشدودا إلى نفس الموضوع من باب الكتابة الروائية مستفيدا من مادة تاريخية ضخمة.
الفكرة التي بني عليها المشروع الروائي على وجه الخصوص، اعتمدت على مجموعة من الأساسات الموضوعية والذاتية التي لا يمكن لمشروع روائي تاريخي أن يقوم خارج مداراتها لا لإعادة إنتاج التاريخ، ولكن لبناء معمار فني وأدبي حقيقي.
وهذا يفترض سلفا حل سلسلة من المشكلات الصعبة، ولكنها ليست مستحيلة.
1.
المعضلة الأولى هي أنّ المادة التاريخية المتوفرة كثيرة، ولكنها متناقضة في الكثير من جوانبها، لهذا وجب اختبارها ومقارنتها بما هو متوفر وموجود، قبل الدخول في عنصر التخييل، لأنه يجب ألاّ ننسى أن الأمر يتعلق برواية تاريخية عن سيرة شخصية تاريخية وجدت حقيقية: Biopic، ولكن الاّ ننسى أن الأمر يتعلق برواية فيها نسبة كبيرة من التخييل وليس بكتاب في التاريخ.
2.
علما أنّ شخصية الإمام المغيلي شخصية كبيرة ملأت عصرها، ولم تنل حقها الذي تستحقه.
من يدرس التحولات التاريخية في القرن الخامس عشر لا يمكن أن يتخطاها.
فقد لعبت دورا مهما في التاريخ المغاربي والإفريقي بعد فترة التكوين بين تلمسان وبجاية والعاصمة وزواجه من ابنة الشيخ الثعالبي، اضطر إلى الهجرة الكبرى أو «الخروج الأعظم»، إذ لم يكن خروجا عاديا.
فقد غير وجه المناطق التي زارها الرجل، بالخصوص منطقة توات وافريقيا، في مملكتي غاو وسنغاي، في السودان الغربي (المالي والنيجر اليوم).
كان دوره حاسما في هذه المناطق.
مساهماته الكبيرة لم تكن في نشر الإسلام، فالإسلام كان معروفا منذ حملات عقبة بن نافع وما تلاها، ولكن في بناء الدولة الحديثة حيث تصبح لها ضوابط حقيقية وقوانين وتشريعات تسير عليها، وإصلاح سلبياتها التي تعيق تطورها وإعطاء الأولوية للقانون.
الفرد مسؤول أمام القانون، والسلطة كيفما كان شكلها، مسؤولية تجاه الرعية.
وهو بمعنى اليوم مثقف عضوي يؤمن بالدور الفعلي للثقافة (الدينية والاجتماعية وغيرها).
3.
نازلة اليهود: لا يمكن القفز فوقها.
لكن يجب أن تؤخذ هذه النازلة بكل حيثياتها وملابساتها التاريخية المحيطة بها ولا يمكن فصلها عن سياقاتها التاريخية.
أهمية النازلة تتأتى من كونها تشتغل على مستويين بسبب السجال الذي أثارته بين شخصيتين علميتين كبيرتين وحاسمتين فكريا: الإمام القاضي المغيلي والإمام القاضي العصنوني.
النقاش الذي تنامى بينهما كان نقاشا معرفيا وقانونيا حادا حول مسألة طرد اليهود من تمنطيط وتحطيم كنيسهم (المغيلي)، وبين اعتبارهم أهل ذمّة، وجبت بالتالي حمايتهم واحترام مقدساتهم (العصنوني).
يجب ذكر السياق الذي أحاط بالنازلة.
أول ما وصل المغيلي إلى توات لاحظ وضعا غير طبيعي بين مجموعتين، واحدة في أعلى مراتب المجتمع من مال وأرض، وسيطرة على التجارة وحركة القوافل، ومنابع المياه، وشراء الذمم للصمت على التجاوزات، ومجموعة فقيرة، سُلِبتْ منها أراضيها بسبب الرهن المجحف، تحت رحمة مجموعة بشرية مسيطرة على كل مناحي الحياة.
وهو ما دفع إلى تطبيق قانون الحسبة الذي يستند إلى حديث رسولي، اعتبره الإمام المغيلي مركزا لكل حركته الإصلاحية: «من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
» وهو ما اعتبره العصنوني انزلاقا دينيا وقانونيا، لأن دعوى الحسبة هي الدعوى التي يقيمها المحتسب لدى القاضي دفاعا عن حق الله تعالى عند العجز عن تغيير المنكر بالمراتب المتقدمة، أو عند انتهاء المنكر المراد تغييره.
4.
عايش المغيلي فترة جد معقدة استفرد فيها اليهود الأغنيا بالمال والسلطة والفساد، وهي تلك التي تجب محاربتها.
رأى ذلك في تلمسان من خلال حاخام تلمسان أفراييم ألانكاوه الذي هرب من طليلة مع عدد من اليهود بسبب محاكم التفتيش المسيحية التي خيّرتهم بين الدخول إلى المسيحية والقتل.
حُرق أبوه حياً، ولكن أفراييم تمكّن من الهرب وكانت وجهته الجزائر.
وعام 1442 توفي في مدينة تلمسان ودفن فيه وتمحورت حوله جالية يهودية كان لها حضور كبير في المدينة.
وعايش أيضا في مدينة فاس التي زارها والتقى بعلمائها ولاحظ سيطرة اليهود على مقاليد الحكم في فترة الملك عبد الحق الثاني واليهودي كوهين بطاش الذي عينه في أعلى المراتب السياسية انتقاما من الوطَّاسيين، قبل أن يقتلا هو والملك بقطع رأسيهما.
وجد المغيلي حالة مشابهة في صحراء توات، وأن القضاء المحلي الذي كان يرأسه العصنوني لم يفعل شيئا للتقليل من مظلمة الهيمنة.
فأخذ هو زمام المبادرة التي انتهت بطرد اليهود من تمنطيط ومناطق صحراء توات وتعمق الخلاف مع الإمام العصنوني التلمساني.
5.
هناك قضية مهملة جدا في حياة المغيلي لم يولها الباحثون المختصون أية قيمة.
موقفه من العنصرية؟ التي جعلت من الاتجار بالبشر السود (العبيد) تجارة مقبولة في الدول الإفريقية وكانت تشكل نشاطا اقتصاديا ورائجا.
رواد القرن لم يثيروه كقضية اجتماعية لكن المغيلي كثيرا ما أشار إليه ولو بشكل عابر في بعض نصوصه.
لكن موقفه تجلى بشكل واضح ولا لبس فيه أثناء زيارته إلى فاس لشرح فتواه أمام علماء المدينة بحضور سلطان الدولة المرينية.
سافر مع القوافل برفقة ستة مملوكين.
اختار أن يقدم مملوكه الشيخ ميمون الذي رافقه في رحلة المغرب شروحات ضافية عن النازلة اليهودية لأنه كان يعرفها جيدا، لكن الفقهاء والأئمة اعتبروا ذلك استنقاصا لهم إذ كيف لمملوك أن يقدم شرحا لقضية كبيرة كنازلة يهود صحراء توات.
المؤرخون لم يعطوا لهذه اللحظة قيمة.
وهي مهمة جدا من الناحية الرمزية.
واحتج العلماء لدي السلطان، لكن حجة المغيلي كانت قوية ونابعة من الدين نفسه.
شرح أن مرافقه ليس عبدا مملوكا ولكنه مسلم حفظ مؤلفات إسلامية ضخمة عن ظهر قلب، هو وبقية المملوكين الذين رافقوه.
ألم يقل الرسول الأكرم [يا أيها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم، ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ قال: فيُبَلِّغُ الشاهدُ الغائبَ].
ركّز الحديث الشريف على أمرٍ مهم وجب على المسلم أن يحرص عليه وهو: تجنب التعصب والعنصرية، والافتخار بالأحساب.
لهذا راحوا يكيدون له مع الملك، فاضطر المغيلي إلى أن يخرج هو والشيخ ميمون وبقية مرافقيه في جنح الليل باتجاه صحراء توات ومنها بعد فترة وجيزة نحو السودان الغربي.
لقد عاش ثقافته وقناعاته.
6.
وأنا أبحث في تاريخ شخصية الشيخ محمد المغيلي، منذ مدة لاحظت أن هناك تضاربا كبيرا في بعض التواريخ وفجوات تحتاج لرتقها إلى مادة تخييلية قوية ومدروسة متماشية مع ما يفرضه السياق أو طبيعة الشخصية.
الكثير من التفاصيل التاريخية ما تزال مثار جدل حول حياة المغيلي وابنائه، مثلا ابنه الذي كان قريبا منه وعوضه في القضاء والاهتمام بشؤون الشعب هل هو ابنه عبد الله أم عبد الجيار وهذا ما اعتمدناه لأنه تكرر في كل الأبحاث والدراسات.
وهل حقيقة اليهود هم من قتلوه انتقاما من والده أم أنه قتل لسبب خلاف حول الأراضي والسقاية وامتلاك مياه الفڨارات؟لا يمكن أن نكتب نصا للسينما أو للآداب تحديدا دون قراءة داخلية وحتى ذاتية للتاريخ والعمل على الترميم الإبداعي.
اليوم عندما اعود لتلك المادة التاريخية الضخمة، الغنية، العظيمة والمتضاربة أجدني ميالا لكتابة رواية عن صراعات القرن الخامس عشر التي تفسر بشكل كبير ما نعيشه اليوم من مشكلات الهويات المتنافرة والصراعات الدينية داخل الدين الواحد (بين الإمامين والعصنوني) ووضعية اليهود في مجتمع مسلم.
هل ظلموا حقيقة؟ هل كانوا ضحايا جشع تاريخي وربما ديني ساهم في كسرهم؟ هل كون الإسلام آخر الدانات أعطاه الحق في تسيير المؤسسة الدينية كسلطة فوقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك