أكد عماد عبدالحافظ، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان مثّل على مدار عقود أحد أهم عوامل قوتها وانتشارها، لكنه تحول مع الوقت إلى أحد أبرز أسباب أزماتها الداخلية وتعثر مشروعها السياسي.
وأوضح عبدالحافظ، في قراءة لكتاب" الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان: السمات والأهداف والمستقبل" الصادر عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن الجماعة قامت منذ تأسيسها على ركيزتين أساسيتين هما الفكرة والتنظيم، إلا أن التنظيم ظل الأداة الأكثر تأثيرًا في قدرتها على التوسع والاستمرار ومواجهة الأزمات.
التنظيم.
الأداة الرئيسية لتحقيق أهداف الجماعةوأشار الباحث إلى أن مؤسس الجماعة، حسن البنا، نظر إلى التنظيم باعتباره الوسيلة الأساسية لتحويل الأفكار إلى واقع عملي، موضحًا أن البنا استلهم بناء الجماعة من نماذج تنظيمية متعددة، شملت التنظيمات السرية والثورية وبعض المؤسسات الحزبية والطرق الصوفية.
وأضاف أن أهمية التنظيم لدى الجماعة تعود إلى كونه الأداة التي استخدمتها في الاستقطاب والتجنيد والتوسع داخل المجتمع، فضلًا عن توجيه الأعضاء وحشد الأنصار لخدمة أهدافها ومشروعها السياسي.
انعكاس مباشر لأفكار الجماعةولفت عبدالحافظ إلى أن الهيكل التنظيمي للإخوان لم يكن مجرد بناء إداري، بل عكس بصورة مباشرة الأفكار التي تبنتها الجماعة منذ نشأتها.
وأوضح أن فكرة" شمولية الإسلام" انعكست في إنشاء تنظيم متعدد الأنشطة والقطاعات، فيما تجسدت رؤيتها لمفهوم الجهاد واستخدام القوة في إنشاء تنظيم عسكري مسلح، كما ارتبط تصورها لفكرة الدولة الإسلامية العالمية بالسعي إلى بناء تنظيم دولي عابر للحدود.
شخصنة القرار خلف واجهة المؤسسيةوأشار الباحث إلى أن الكتاب يرصد واحدة من أبرز سمات التنظيم، وهي التناقض بين الشكل المؤسسي المعلن والواقع العملي داخل الجماعة.
وأوضح أن الجماعة كانت تقدم نفسها باعتبارها تنظيمًا قائمًا على الشورى واللوائح والمؤسسات، بينما ظلت السلطة الحقيقية مركزة في أيدي عدد محدود من القيادات القادرة على التأثير في القرارات المصيرية وتوجيه مسار التنظيم.
وأضاف أن هذه المركزية الشديدة أسهمت في صناعة حالة من" شخصنة القرار"، بحيث أصبحت إرادة بعض القيادات تتجاوز في أحيان كثيرة الأطر التنظيمية الرسمية.
وأكد عبدالحافظ أن من أبرز السمات التي تناولها الكتاب هي ترسيخ ثقافة السمع والطاعة داخل التنظيم، من خلال نظام البيعة الذي يمنح القيادة سلطة واسعة على الأعضاء.
وأوضح أن هذه الثقافة ساهمت في تعزيز الانضباط التنظيمي، لكنها في المقابل أضعفت فرص النقد والمراجعة الداخلية، ورسخت نمطًا من التبعية للقيادات العليا، بما جعل الفرد جزءًا من منظومة تنظيمية شديدة المركزية.
كما أشار إلى أن البناء التنظيمي حمل ملامح قريبة من النظم العسكرية، سواء في طبيعة العلاقة بين القيادة والأعضاء أو في بعض الأنشطة والمسميات التنظيمية التي تبنتها الجماعة عبر تاريخها.
وقال الباحث إن الكتاب يطرح فكرة مفادها أن التنظيم القوي كان المصدر الرئيسي لقوة الجماعة وقدرتها على البقاء لعقود طويلة.
وأوضح أن من أبرز عناصر القوة، الكاريزما التي تمتع بها حسن البنا، فضلًا عن قدرة الجماعة على التكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية، والاستفادة من العمل الاجتماعي والخيري في توسيع نفوذها داخل المجتمع.
كما أشار إلى أن تماسك البناء التنظيمي وتعدد مصادر التمويل وفعالية قنوات الاتصال الداخلية ساعدت الجماعة على تجاوز العديد من الأزمات التي مرت بها عبر تاريخها.
نقاط الضعف التي قادت إلى الانقسامفي المقابل، أكد عبدالحافظ أن العديد من عناصر القوة تحولت مع الوقت إلى نقاط ضعف أسهمت في تعميق أزمات الجماعة.
وأوضح أن غياب المراجعات الفكرية، وهيمنة بعض التيارات المتشددة، والسرية المفرطة، إلى جانب تقديس القيادات التاريخية، كلها عوامل أدت إلى جمود فكري وتنظيمي انعكس على أداء الجماعة.
وأضاف أن الثقة المطلقة التي مُنحت للقيادات تعرضت لهزة كبيرة بعد سقوط الجماعة من الحكم، ما أدى إلى تصاعد الخلافات والانقسامات والانشقاقات داخل التنظيم.
لماذا فشلت الجماعة في الحكم؟وأشار الباحث إلى أن الكتاب يربط بين طبيعة الهيكل التنظيمي وبين تعثر تجربة الجماعة في السلطة، موضحًا أن إدارة الدولة تختلف جذريًا عن إدارة التنظيمات المغلقة.
وأضاف أن الجماعة دخلت تجربة الحكم دون امتلاك الخبرات الكافية لإدارة مؤسسات الدولة، كما أن طريقة التفكير التنظيمية انعكست على الأداء السياسي، وهو ما ساهم في تفاقم الأزمات والصدامات مع القوى السياسية المختلفة.
وفي ما يتعلق بمستقبل التنظيم، أوضح عبدالحافظ أن الكتاب يرجح استمرار الوضع الراهن باعتباره السيناريو الأقرب، حيث ستظل البنية التنظيمية التقليدية والقيادة المركزية والثقافة القائمة على السمع والطاعة هي السمات الغالبة داخل الجماعة.
وشدد على أن تمسك الجماعة بالهيكل التنظيمي الحالي قد يساعدها على الحفاظ على قدر من التماسك الداخلي، لكنه في الوقت نفسه يحد من فرص الإصلاح والتجديد، ويُبقيها في دائرة الأزمات والانقسامات التي تواجهها منذ سنوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك