نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان" سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي"، موضحة أن الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد: التوعية بأهمية صفاء النفس وسلامة الصدر وأثرهما في نشر السلم المجتمعي، علما بأن الخطبة الثانية تحت عنوان: التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم.
سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعيالحمد لله الذي طهر قلوب عباده الأبرار، وجعل سلامة الصدر منبع السكينة والوقار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل نقاء السريرة أساسا لرفعة الدرجات، وميدانا رحبا لمحو السيئات وقبول الطاعات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أصفى الناس صدرا، وأعظمهم حلما على الدوام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد، فيا عبد الله:١- اعلم أن سلامة الصدر هي أصل الفطرة النقية، وموطن الطمأنينة الروحية، فحقيقة إيمانك ترتكز على طهارة باطنك، وتكتمل بجمال سريرتك، فطريق السلوك إلى خالقك يحتاج إلى قلب يسوده الصفاء، ويخلو من الغل والحسد والبغضاء، لتغدو قيم العفو والتسامح جزءا من سلوكك، وعنصرا أساسيا في سمو علاقاتك، فتتبع أثر الأنبياء أصحاب النهج الكريم، فقد جاء الخليل إبراهيم ربه بقلب سليم، وصفح يوسف عن إخوته بروح رحيمة، ونسب زلتهم للشيطان بشهامة عظيمة، وبلغ الحبيب المصطفى ﷺ غاية الكمال بشرح صدره المنير، فكان رحمة للعالمين، فأطلق في زوايا قلبك نداء النقاء، واجعله مأوى للصفح والوفاء، لتسعد في دنياك وآخرتك بجمال البهاء، استهداء بقول الله جل وعلا: ﴿إلا منۡ أتى ٱلله بقلۡبࣲ سلیمࣲ﴾.
٢- تدبر حقيقة القلب المخموم، المبرإ من الآثام والظلم والحقد والحسد، فهو قلب ينبض بالتقوى والنقاء، ويثمر في العبد الفوز والارتقاء، ويحب لأخيه أكثر مما يحب لنفسه، فتتبع سير الصحب الأبرار، وتعلم فضل هذا الخلق المدرار، وانظر لعظيم الأجر في ميزان الرحمن، حين بشر رجل من الأنصار بمنزلة أهل الجنان، لا بكثرة صوم أو صلاة، بل بقلب يبيت لا يحمل غشا ولا حسدا للعباد، فسلامة الصدر هي أبلغ زاد للسالكين، وأقرب طريق لراحة المتعبين، وبها وصف أهل الجنة في دار القرار، حين طهروا من الأحقاد والأوزار، فحين تستقيم سريرتك استقامة وثيقة، تثمر في حياتك سكينة وطمأنينة، وتغدو من الصالحين أولي الخصال الحميدة، امتثالا للهدي النبوي الشريف حين سئل ﷺ: أي الناس أفضل، فقال ﷺ: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد».
٣- تذوق ثمرات التآلف المجتمعي السعيد، واغتنم بركات الاستقرار والأمن الرغيد، فإذا طهرت قلوب أبناء المجتمع من الضغائن، سارت مركب الوطن في ود وتضامن، فيتعين عليك حينئذ صون الأواصر والصلات، والتخلق بخلق التغافل والصفح عن الهنات، واحذر الشحناء فإنها الحالقة للدين، فبسببها تحجب المغفرة عن المتخاصمين، فاعف عن الزلات، واذكر جميل الخلال، وكن رفيقا مصلحا باذلا للسلام والوئام، فبسلامة الصدر تحقن الدماء وتبنى الأوطان، وتزول أسباب العنف والعدوان، فتلك منة ربانية، ونعمة إلهية، قال سبحانه: ﴿وألف بیۡن قلوبهمۡۚ لوۡ أنفقۡت ما فی ٱلۡأرۡض جمیعࣰا ماۤ ألفۡت بیۡن قلوبهمۡ ولٰكن ٱلله ألف بیۡنهمۡۚ إنهۥ عزیز حكیمࣱ﴾.
٤- تعامل بالحكمة مع خطرات النفس ومكائد الشيطان، واحذر حبائل الغيبة والنميمة وسوء الظن، ممتثلا لقوله ﷺ: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تنافسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا»، فبعض المجالس الخبيثة تهدد استقرار النفوس، وتزلزل بنيان المودة إلى أبعد الحدود، بما تبثه من غيبة ونميمة تزيف الحقيقة، وتهدم بهجة الأخوة والصداقة، فحين تمتد الأعين إلى عيوب الآخرين بالظنون، يدب السخط والنزاع في الوجدان، لذا اجعل حسن الظن ديدنك في كل حال، والتمس الأعذار فيمن حولك تنل راحة البال، وبادر بالهدية والكلمة الطيبة لمن جفاك، محققا هدي نبيك ﷺ إذ يقول: «تهادوا تحابوا»، وادع بظهر الغيب في خلوتك لمن آذاك، لتسلك سبيل النجاة يوم العرض على رب العالمين، فاعمر باطنك بالرضا واليقين، واستر سر غيرك عن أعين الناظرين، وأصلح خفي داخلك في كل حال، لتنعم بدوام الهناء وراحة البال، حذرا من مصير المتهاونين بقيمة ما تكنه السرائر، ومستمسكا بقوله جل وعلا: ﴿ٱدۡفعۡ بٱلتی هی أحۡسن فإذا ٱلذی بیۡنك وبیۡنهۥ عدٰوةࣱ كأنهۥ ولی حمیمࣱ﴾.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد:فأيها المسلم المكرم، اعلم أن هناك خطورة كبيرة في التشكيك ونشر روح التشاؤم بين الناس، فغياب اليقين وتسلل الشكوك في الأنفس جدار صامت يهدم المجتمع من داخله، ويقطع أواصر الثقة بين أبنائه، فمن أخطر ما ابتليت به بعض العقول في عصرنا الرقمي الاستماع لأصوات التشكيك، بقلوب مفترقة، ونفوس حائرة، إذ العقول باتت أسيرة الشبهات، خاضعة لظلام الشائعات، فحين يغيب الحوار الهادئ واليقين الذي هو نبض الحياة في البيوت والمجتمعات، تصبح النفس كشجرة حرمت الماء فتذبل حتى تموت، وتدبر كيف ضرب لنا القرآن أروع الأمثلة في تحقيق الثبات، فجعل الإمامة في الدين ثمرة للصبر واليقين، مستهديا بقول الله جل جلاله: ﴿وجعلۡنا منۡهمۡ أئمةࣰ یهۡدون بأمۡرنا لما صبروا۟ۖ وكانوا۟ بءایٰتنا یوقنون﴾.
عش حال سيدنا إبراهيم الخليل في يقينه بربه، فالإنسان إن لم يجد في قلبه أذنا مصغية لنداء الإيمان واليقين، سيلتمس ذلك عند رفقاء السوء وفضاء الإنترنت، ومن هنا تتسلل الانحرافات الفكرية والسلوكية بدهاء، وتضيع ملامح الفطرة السليمة والذكاء، فاعلم أن من أعظم سبل الرعاية أن يكون اليقين ملاذا آمنا يفيض بالفهم والاحتواء، ويقدم الرفق قبل اللوم، وحين تقع الوسوسة أو الكدر في النفوس، يتعين عليك تغليب عبادة الاستعاذة والانتهاء عن الاستماع إلى الوسواس، لتستمر في التعلق بجسور النجاة، فأحسن إلى قلبك وعقلك، وابذل جميل اليقين مدى الأمد، وصن ود الطمأنينة، وافرح بفضل الرقيب الحميد، امتثالا للتوجيه النبوي الشريف: «فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك