لم تعد ألمانيا تكتفي بمكانتها التقليدية كقوة صناعية رائدة في مجالات السيارات والتكنولوجيا، بل بدأت تعزز حضورها في قطاع الصناعات العسكرية، في تحول يعكس تغيرًا إستراتيجيًا في أولويات أكبر اقتصاد أوروبي، وسط تصاعد التهديدات الأمنية في القارة والالتزامات المتزايدة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وتعتزم برلين رفع إنفاقها الدفاعي إلى نحو 114 مليار دولار خلال العام الحالي، تنفيذًا لتعهداتها تجاه الحلف، بالتزامن مع اتفاق توصلت إليه الحكومة الألمانية للاستحواذ على 40% من أسهم شركة" كي إن دي إس" الفرنسية الألمانية، المصنعة لدبابات" ليوبارد 2"، والتي كانت مملوكة سابقًا لعائلة ألمانية ثرية.
ويرى أستاذ اقتصاديات الدفاع الدكتور غازي العساف أن الاقتصاد الألماني شهد خلال السنوات الأخيرة تباطؤًا ملحوظًا، بعد تراجع أداء قطاعات صناعية رئيسية، وعلى رأسها صناعة السيارات، الأمر الذي دفع برلين إلى إعادة هيكلة اقتصادها والتوجه نحو الصناعات الدفاعية باعتبارها أحد القطاعات القادرة على تعويض جزء من الخسائر.
وأوضح في حديث إلى برنامج" اقتصادكم" عبر التلفزيون العربي أن الحكومة لا تمول هذا التحول على حساب القطاعات المدنية، بل من خلال الاقتراض، في إطار إستراتيجية تهدف إلى إعادة تموضع الاقتصاد الألماني وتخفيف آثار التباطؤ الاقتصادي.
وأشار العساف إلى أن استحواذ الحكومة الألمانية على حصة كبيرة في شركة" كي إن دي إس" لا يهدف فقط إلى تحقيق عوائد مالية، بل يرتبط بالسيادة التكنولوجية والحفاظ على التقنيات العسكرية الحساسة داخل ألمانيا، إضافة إلى منح برلين نفوذًا أكبر في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالصناعات الدفاعية.
ومن المنتظر أن تخفض فرنسا حصتها في الشركة من 50% إلى 40%، بما يحقق توازنًا جديدًا بين الطرفين ويعزز التعاون العسكري بين أكبر اقتصادين في أوروبا.
ما مستقبل الدبابات في عصر المسيّرات؟وعلى الرغم من أن ألمانيا تتبع نموذجًا اقتصاديًا رأسماليًا يقوم على حرية السوق، فإن قطاع الصناعات الدفاعية يشكل استثناءً، إذ إن الحكومات تبقى المشتري الرئيسي للأسلحة والمعدات العسكرية، ما يفرض تدخلًا مباشرًا من الدولة في هذا القطاع، على غرار ما يحدث في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الكبرى.
وبشأن مستقبل الدبابات في عصر الطائرات المسيّرة، أكد العساف أن العلاقة بين السلاحين تكاملية وليست إحلالية، مشيرًا إلى أن المسيّرات منخفضة التكلفة قادرة على تدمير دبابات تقدر قيمتها بملايين الدولارات، لكن الدبابات تبقى أداة أساسية لفرض السيطرة الميدانية، وهو ما يدفع ألمانيا إلى تطوير أنظمة حماية جديدة لمواجهة التهديدات الحديثة.
التزامات" الناتو" تدفع نحو زيادة الإنفاقويأتي التوسع العسكري الألماني أيضًا استجابة لمطالب حلف شمال الأطلسي برفع الإنفاق الدفاعي، بعدما تعرضت برلين لانتقادات متكررة بسبب اعتمادها على المظلة الأمنية للحلف دون مساهمة كافية.
وتسعى ألمانيا إلى رفع إنفاقها العسكري تدريجيًا ليصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، وفق التفاهمات التي أقرها الحلف.
ويرى خبراء أن التوسع في الصناعات العسكرية قد يوفر فرص عمل جديدة، لكنه لن يكون بديلاً كاملاً عن القطاعات المدنية، نظرًا لاعتماد الصناعات الدفاعية بشكل أكبر على التكنولوجيا ورأس المال مقارنة بالعمالة الكثيفة.
ورغم المخاوف التي يثيرها التاريخ العسكري الألماني، يؤكد مراقبون أن عودة برلين إلى تعزيز قوتها الدفاعية تتم ضمن إطار مؤسساتي يخضع لقيود الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والرقابة البرلمانية، ما يجعل سيناريو العودة إلى سياسات الماضي أمرًا مستبعدًا.
وبين الحاجة إلى تعزيز الأمن الأوروبي والرغبة في إنعاش الاقتصاد، تبدو ألمانيا بصدد رسم ملامح مرحلة جديدة، تجعل من الصناعات العسكرية أحد أعمدة قوتها الاقتصادية والاستراتيجية في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك