لم تعد طلقات الرصاص وحدها هي ما يوقظ اليمنيين ليلا؛ فهناك عدو آخر بات يطرق الأبواب، إنه الجوع الذي نما وتوحش في ظل صراع يدخل عامه الـ11، تاركا خلفه نحو 19 مليون إنسان يطاردون لقمة عيش لا تأتي.
في" مخيم الجفينة" بمحافظة مأرب، وهو أكبر تجمع للنازحين في البلاد، تختصر حكاية محمد سعيد المأساة بأكملها، حيث يعيش محمد مع عائلته الكبيرة في خيمة ضيقة لا تقي حرا ولا بردا.
فوق مائدة صغيرة، لا تجد العائلة سوى بضع لقيمات من الأرز السادة، وهي الوجبة التي باتت تعتبر" ترفا" في زمن الندرة.
يقول محمد بنبرة يملؤها العجز الممزوج بالقهر: " أنا معي 25 طفلا، وأنا رجل مريض أُصبت بذبحة صدرية، ولا أملك قوت يومين وأخرج كل صباح أبحث عن أي عمل بسيط فقط لنسد رمق اليوم بقوته"، ويقف خلف محمد أكثر من 4 ملايين نازح في مخيمات البلاد، يمثلون الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في مواجهة شبح مجاعة تتسع رقعتها يوما بعد يوم.
في الماضي، كان المطر بالنسبة للمزارع اليمني بمثابة أنشودة فرح وبشارة خير، لكن حتى الطبيعة قررت أن تدير ظهرها لليمنيين بسبب التغيرات المناخية القاسية، حتى السماء شحت بمائها.
ويروي أحد أصحاب المزارع بحسرة وهو ينظر إلى أرضه المتشققة: " كنا نعتمد كثيرا على مياه الأمطار، وقد خفت الآن كثيرا.
منذ 4 سنوات لم نتمكن حتى من بذر البذور في الأرض.
لم نعد نزرع شيئا".
خلف هذه القصص الإنسانية المؤلمة، تقف إحصائيات الأمم المتحدة الصادمة لتدق ناقوس الخطر الأخير: حيث إن 19 مليون شخص يطاردهم انعدام الأمن الغذائي الحاد، و17% من هؤلاء دخلوا بالفعل في مرحلة" الطوارئ الغذائية" وهو تصنيف مأساوي يعني خطوة واحدة تفصلهم عن المجاعة الشاملة، و13% فقط هي نسبة التمويل الدولي المتاح حاليا لمواجهة هذه الكارثة، وسط تراجع حاد للمساعدات الإنسانية.
وفي حديثه للجزيرة أوضح رئيس منظمة" وجوه" الإنسانية منصور الجرادي هذا الوضع المعقد قائلا: " إن تداخل الأزمات الإنسانية مع التغيرات المناخية الهائلة، مصحوبا بالنقص الحاد في التمويلات الدولية لمناطق النزاع، أحدث تأثيرا عميقا وقاسيا على حياة اليمنيين اليومية".
لم تعد الجوع في اليمن مجرد بطون خاوية؛ بل هو وجه لمعاناة متعددة الأوجه: نزوح لا ينتهي، خدمات أساسية منهارة، مياه تشح، وبطالة تنهش الشباب.
وما بين احتياجات تتزايد وتبرعات دولية تجف، تستمر معركة البقاء صعبة وقاسية، بانتظار معجزة أو التفاتة حقيقية من عالم بدا وكأنه نسي اليمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك