برلين- “القدس العربي”: لم تكن ألمانيا بحاجة إلى أزمة جديدة في ملف تسليحها حتى تدرك أن “نقطة التحول” الدفاعية التي أعلنتها بعد حرب أوكرانيا لا تصنعها الموازنات الضخمة وحدها.
فقرار وزير الدفاع بوريس بيستوريوس وقف مشروع فرقاطات إف 126، الذي كان يفترض أن يمنح البحرية الألمانية أكبر سفن قتالية في تاريخها، فتح من جديد سؤالا محرجا في برلين: هل تستطيع ألمانيا فعلا أن تترجم طموحها العسكري المتصاعد إلى قدرات جاهزة في الوقت المناسب؟القصة لم تعد مجرد عقد تسليح تأخر عن موعده.
إنها نموذج لما تواجهه ألمانيا في سعيها إلى تحديث جيشها بسرعة، وسط ضغوط الناتو، وتوترات بحر البلطيق، والقلق المتزايد من روسيا.
فقد أعلنت وزارة الدفاع الألمانية إنهاء مشروع بناء ست فرقاطات من طراز إف 126، بعدما أصبح التأخير وتضخم الكلفة والمخاطر الفنية أكبر من أن تتحمله برلين سياسيا وعسكريا.
وبحسب وزارة الدفاع الألمانية، فإن القرار جاء بعد تقييم شامل أظهر أن الشركة الهولندية دامن شيلده نافال شيب بيلدنج، التي كانت مكلفة بالمشروع كمقاول عام، لم تعد قادرة على الالتزام بالإطارين الزمني والمالي المتفق عليهما.
وكانت الفرقاطات الجديدة توصف في السابق بأنها ستكون “أكبر سفن قتالية” لدى البحرية الألمانية، بطول يصل إلى 166 مترا، وبقدرات متقدمة لمكافحة الغواصات والقيام بمهام بحرية بعيدة المدى.
لكن المشروع الذي بدأ عام 2020 بكلفة قُدرت بنحو عشرة مليارات يورو، تحول تدريجيا إلى عبء.
ووفق وكالة الأنباء الألمانية، كان من المفترض تسليم أول سفينة بقدرات تشغيلية أولية في منتصف عام 2028، على أن تكتمل السفن الست بحلول عام 2033.
غير أن التعثر الذي ظهر بوضوح منذ عام 2025 جعل الجدول الزمني غير واقعي، والكلفة مفتوحة على زيادات كبيرة.
وبحسب موقع تاغس شاو الألماني، فإن مجلة دير شبيغل كانت أول من كشف عن توجه بيستوريوس إلى إنهاء المشروع نهائيا، بعد أن كان الحديث في مارس الماضي يدور فقط حول شراء فرقاطات أصغر كحل انتقالي إلى حين تجاوز تأخير إف 126.
لكن “الحل المؤقت” أصبح الآن هو البديل الرئيسي.
وذكر الموقع أن نحو 2.
3 مليار يورو أُنفقت بالفعل على المشروع، فيما أشارت تقديرات وزارة الدفاع إلى أن الاستمرار فيه تحت إدارة صناعية أخرى كان قد يرفع الكلفة الإجمالية إلى أكثر من 18 مليار يورو.
بهذا المعنى، لم يكن قرار الإلغاء مجرد تراجع عن شراء سفن، بل محاولة لوقف نزيف مالي وسياسي قبل أن يتحول إلى فضيحة تسليح أكبر.
الخطة الجديدة تقوم على شراء ثماني فرقاطات أصغر من طراز ميكو إيه 200 دي إي يو من شركة تي كيه إم إس الألمانية، ومقرها مدينة كيل شمالي البلاد.
وبدلا من انتظار سفن ضخمة ومتعثرة، تراهن برلين على سفن أسرع تسليما، أقل كلفة، وأكثر التصاقا بالصناعة المحلية.
وأعلنت تي كيه إم إس، وفق وكالة الأنباء الألمانية، أن أول سفينة من هذا الطراز يمكن أن تسلم إلى البحرية الألمانية عام 2029، مؤكدة أنها بدأت التحضيرات منذ فبراير الماضي.
ويحمل التحول إلى ميكو إيه 200 بعدا عسكريا واضحا.
فهذه السفن مخصصة بالدرجة الأولى لمهام مكافحة الغواصات، وهي مهمة ازدادت أهميتها داخل الناتو في ضوء التوتر مع روسيا، خصوصا في بحر البلطيق وشمال الأطلسي.
وتريد ألمانيا، التي تتعرض منذ سنوات لانتقادات بسبب بطء تحديث جيشها، أن تثبت أن بإمكانها توفير قدرات بحرية مطلوبة أطلسيا ضمن جدول زمني معقول.
لكن القرار حمل أيضا رسالة اقتصادية داخلية.
فقد شكل إلغاء مشروع إف 126 ضربة لشركة راينميتال، التي كانت تأمل في دخول المشروع بعد تعثر المقاول الهولندي.
ووفق رويترز، تراجعت أسهم الشركة بشكل حاد بعد الإعلان عن القرار، ما عكس خيبة الأسواق من ضياع عقد محتمل بمليارات اليورو.
في المقابل، منح القرار دفعة قوية لشركة تي كيه إم إس ولقطاع بناء السفن في شمال ألمانيا.
ورحب مسؤولون في ولاية شليسفيغ هولشتاين، حيث تقع مدينة كيل، بالقرار باعتباره دعما لمواقع الإنتاج المحلية.
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن وزير الاقتصاد في الولاية كلاوس روهه مادزن قوله إن الخطوة تعزز الصناعة على طول الساحل الألماني، مشيرا إلى أن عامل الوقت بات حاسما بعد تأخير بلغ سنوات في مشروع إف 126.
ومع ذلك، لا يخفي القرار حجم المعضلة التي تواجه برلين.
فمن جهة، تريد ألمانيا جيشا أقوى وبحرية أكثر حضورا داخل الناتو.
ومن جهة أخرى، تكشف مشاريع التسلح الكبرى أن الطريق من قرار الشراء إلى التسليم الفعلي طويل ومليء بالعقبات البيروقراطية والصناعية والمالية.
ويأتي ذلك في لحظة حساسة بالنسبة لوزير الدفاع بيستوريوس، الذي يقدم نفسه بوصفه الوزير القادر على إخراج الجيش الألماني من بطء العقود السابقة.
فإلغاء مشروع بحجم إف 126 قد يُقرأ كقرار شجاع لوقف مشروع فاشل، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على سؤال أكبر: كيف سمحت ألمانيا بأن يتحول أحد أهم مشاريعها البحرية إلى أزمة كلفة وتأخير؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك