لم يكن الطفل المغربي، الذي لوّح بعلمه في المدرجات يعرف شيئاً عن خرائط السياسة وتعقيدات العالم العربي.
ولم يكن الرجل المصري الذي احتضن ابنه بعد صافرة النهاية يفكر في حسابات التأهل أو ترتيب المجموعات.
كان الاثنان يعيشان الشعور نفسه في اللحظة نفسها؛ ذلك الشعور النادر الذي يجعل الإنسان ينسى كل شيء حوله، ويشعر بأن قلبه أصبح أكبر من جسده بقليل.
في تلك اللحظات، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة.
كانت شيئاً يشبه الحلم.
شيئاً يشبه الوطن عندما يكون جميلاً وخالياً من الخلافات.
في المدرجات كانت الأعلام ترتفع كأسراب طيور ملونة تبحث عن سماء أوسع.
وتلك الوجوه المضيئة بالفرح تشبه بعضها إلى حد بعيد.
الأطفال يقفزون فوق المقاعد، والشباب يصرخون بأعلى أصواتهم، والآباء يبتسمون بصمت كأنهم يستعيدون شباباً ضاع منهم منذ سنوات طويلة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في صور الجماهير ليس الحماس وحده، بل ذلك الإيمان العميق الذي يسكن العيون.
الإيمان بأن كل شيء ممكن.
بأن منتخباً عربياً يستطيع أن يقف أمام كبار العالم دون خوف.
وبأن الحلم الذي بدا مستحيلاً يوماً ما يمكن أن يتحول إلى حقيقة يراها الجميع بأعينهم.
منذ سنوات طويلة والعرب يدخلون بطولات العالم حاملين معهم أمنيات أكبر من إمكاناتهم.
كانوا يفرحون بالفوز الصغير كما يفرح الغريق بخشبة نجاة.
وكانت الهزائم تترك في النفوس شعوراً قاسياً بأن المسافة ما زالت بعيدة بينهم وبين الكبار.
لكن شيئاً ما تغير، ربما تغيرت العقليات، وربما تغيرت الأجيال.
وربما قررت الكرة نفسها أن تمنح العرب فرصة جديدة ليصدقوا أن الأحلام لا تقاس بعدد السكان ولا بحجم الاقتصاد ولا بتاريخ البطولات، إنما بالإرادة التي تدفع اللاعبين إلى الركض حتى آخر ثانية.
في مصر، خرجت الجماهير إلى الشوارع وهي تحمل أعلامها كما يحمل الناس بشائر الأعياد.
وفي المغرب، كان المشجعون يرددون الأغاني ذاتها التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من الذاكرة الجماعية لشعب كامل.
كانت الفرحة أكبر من مباراة.
وأعمق من هدف.
وأبعد من ثلاث نقاط في جدول الترتيب.
كانت فرحة شعب يرى نفسه على المسرح العالمي من جديد.
وكانت أيضاً فرحة ملايين ال1عرب الذين تابعوا المباريات من بيوتهم ومقاهيهم وشاشات هواتفهم، وكأنهم يبحثون في تلك الانتصارات عن جزء من أنفسهم.
من القاهرة إلى الرباط: رحلة البحث عن فرحٍ مشتركالغريب في كرة القدم أنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه أشياء كثيرة.
السياسة ترسم الحدود، أما الكرة فتتجاوزها.
اللغات تفرق البشر أحياناً، أما الهتاف في المدرجات فله لغة واحدة يفهمها الجميع.
وحين كان المصريون يحتفلون بهدف جديد، كان هناك مغاربة يصفقون لهم.
وحين كان المغاربة يقتربون من إنجاز جديد، كان هناك مصريون يتابعون بقلوبهم قبل أعينهم.
في تلك اللحظة، بدا المشهد العربي مختلفاً.
لا أحد يسأل الآخر من أين أتى.
ولا أحد يهتم باسم المدينة أو الدولة.
الجميع ينظرون إلى العشب الأخضر نفسه.
وينتظرون اللحظة نفسها.
ويحبسون أنفاسهم بالطريقة نفسها.
ولعل أجمل ما في الصور التي امتلأت بها وسائل الإعلام ومواقع التواصل ليس اللاعبين، بل الجماهير.
ذلك الرجل الذي غطى وجهه بيديه خوفاً من هدف في الدقيقة الأخيرة.
وتلك الأم التي رفعت علم بلادها فوق رأس طفلها.
وذلك الشاب الذي ذرف الدموع بعد صافرة النهاية دون أن يخجل من دموعه.
فهؤلاء هم أبطال الحكاية الحقيقيون.
اللاعبون يغادرون الملاعب في النهاية.
أما الجماهير فتبقى، تبقى لتحلم.
وتنتظر، وتصدق، وتمنح منتخباتها الحب حتى في لحظات الخسارة.
ولهذا تبدو كرة القدم مختلفة عن أي شيء آخر.
كل مشجع يحمل معه إلى الملعب سنوات طويلة من الأمل والانكسارات والانتظار.
وحين يتحقق الحلم، ولو جزئياً، يشعر كأنه يستعيد جزءاً من حياته.
ربما لهذا السبب بدت الابتسامات في تلك الصور صادقة إلى هذا الحد.
كانت ابتسامات خرجت من القلب مباشرة.
بعيدة عن التصنع، وبعيدة عن المجاملات، وبعيدة عن كل ما يثقل الحياة اليومية من هموم وأخبار وأزمات.
لساعات قليلة فقط، استطاعت كرة القدم أن تفعل ما نحتاجه جميعاً.
أن تمنح الناس سبباً للفرح، أن تجعل الأب ينسى تعبه، والأم تنسى قلقها، والطالب ينسى امتحاناته، والعامل ينسى يومه الطويل.
وأن تفتح نافذة صغيرة يدخل منها الضوء إلى القلوب، حين تنتهي البطولة وقد يخسر هذا المنتخب أو ذاك.
وقد تذبل الأعلام التي ترفرف اليوم تحت شمس الصيف، لكن شيئاً واحداً سيبقى.
سيبقى ذلك المشهد الجميل الذي رأينا فيه ملايين العرب وهم ينظرون إلى الملعب نفسه، ويحلمون الحلم نفسه، ويشعرون بالفخر نفسه.
وسيظل عالقاً في الذاكرة أن كرة القدم، في أحد أجمل وجوهها الإنسانية، لم تكن مجرد مباراة بين فريقين، إنما كانت مساحة نادرة اجتمع فيها العرب حول قصة واحدة.
قصة لا تتحدث عن السياسة ولا عن الخلافات ولا عن الحدود.
قصة تتحدث عن الأمل، وعن الفرح.
وعن تلك الرغبة القديمة التي تسكن الشعوب كلها.
أن ترى نفسها منتصرة، ولو للحظة، تحت أضواء العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك