عمان- لم تعد بطولة كأس العالم التي يتابعها الملايين بشغف مجرد حدث رياضي لتشجيع المنتخبات المفضلة، بل تحولت في نسختها لعام 2026 إلى تظاهرة إنسانية عالمية تمتد عبر قارة أميركا الشمالية، وتجمع بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في تنظيم موزع على 16 مدينة.
غير أن هذا الوهج الجماهيري يخفي خلفه عالما رقميا مظلما يتربص بفرحة المشجعين ويحول الحدث إلى ساحة مفتوحة للهجمات السيبرانية والاحتيال الإلكتروني.
اضافة اعلانويؤكد خبراء محليون أن التعقيد الجغرافي والتقني غير المسبوق للبطولة، وما يرافقه من منظومة رقمية ضخمة تشمل حجوزات السفر والفنادق وبوابات بيع التذاكر والبث الرقمي، يخلق بيئة خصبة لعصابات الإنترنت لاستهداف البنية التحتية الرقمية والخدمات المرتبطة بالحدث، بل وحتى استغلاله في سياقات تتجاوز الرياضة نحو أبعاد اقتصادية وجيوسياسية.
ويشير الخبراء إلى أن الهدف الأسهل للقراصنة لم يعد الأنظمة المشفرة المعقدة، بل" العنصر البشري" حيث باتت مشاعر الحماس والاستعجال هي المدخل الأوسع لعمليات الاحتيال عبر ما يُعرف بـ" الهندسة الاجتماعية"، التي تستهدف إقناع المستخدم قبل اختراق جهازه أو نظامه.
ومع متابعة ما بين 5.
5 إلى 6 مليارات شخص لمنافسات المونديال، وترقب نحو 1.
5 مليار مشاهد للمباراة النهائية، تتزايد شهية المجرمين الإلكترونيين لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء مواقع ورسائل ومحتوى مزيف شديد الإقناع، يحاكي منصات رسمية مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بهدف استدراج المستخدمين إلى روابط خبيثة أو دفعهم لإدخال بياناتهم المالية بحجة حجز تذاكر أو مشاهدة بث مباشر.
وفي ظل هذا الزخم، يحذر خبراء من تصاعد محاولات الاحتيال الإلكتروني خلال فترة البطولة، عبر مواقع مزيفة لبيع التذاكر أو تقديم خدمات سفر وإقامة وهمية، إضافة إلى رسائل احتيالية تتضمن عروضا مغرية أو جوائز غير حقيقية، ما يستدعي مستوى أعلى من الوعي الرقمي لدى المستخدمين.
ويشدد الخبراء على أهمية التحقق من مصادر العروض والخدمات قبل إدخال أي بيانات شخصية أو مالية، والاعتماد حصرا على المنصات الرسمية والمعتمدة، مع تجنب الروابط المجهولة والمختصرة، وتفعيل خاصية المصادقة الثنائية لتعزيز حماية الحسابات من الاختراق.
الاحتيال الإلكتروني.
موسم مزدهر في البطولات الكبرىويقول خبير حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك" إن البطولات الرياضية الكبرى باتت تمثل" موسما ذهبيا” لعمليات الاحتيال الإلكتروني، نظرا لارتفاع الطلب على التذاكر والسفر والبث المباشر، وما يرافقه من اندفاع جماهيري يجعل المستخدمين أكثر عرضة للاستهداف.
ويضيف أن أكثر أساليب الاحتيال شيوعا تتمثل في بيع تذاكر وهمية عبر مواقع أو حسابات تواصل اجتماعي تبدو موثوقة، لكنها تختفي فور الحصول على الأموال دون تسليم أي تذاكر فعلية.
كما تشهد البطولات، بحسب العكاليك، انتشارا واسعا لروابط بث مباشر مزيفة، يتم الترويج لها على أنها مجانية وعالية الجودة، بينما تهدف فعليا إلى سرقة البيانات الشخصية أو تثبيت برمجيات خبيثة على أجهزة المستخدمين.
ومن الأساليب المتزايدة أيضا مسابقات الجوائز الوهمية، حيث يتلقى المستخدم رسائل تفيد بفوزه بتذاكر أو رحلات مجانية، مقابل إدخال بيانات بنكية أو دفع رسوم رمزية، في حين تكون الجائزة غير موجودة أساسا.
ولا تقتصر عمليات الاحتيال على ذلك، بل تمتد إلى حسابات مزيفة تنتحل شخصيات لاعبين أو جهات رسمية، مستفيدة من تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى وصور يصعب تمييزها عن الحقيقة.
ويؤكد العكاليك أن المحتالين يعتمدون بشكل متزايد على" الهندسة الاجتماعية"، عبر استغلال المشاعر الإنسانية وخلق شعور بالإلحاح والخوف من ضياع الفرصة، لدفع الضحية إلى اتخاذ قرار سريع دون تحقق.
ويدعو إلى مجموعة من الإجراءات الوقائية، أبرزها شراء التذاكر والخدمات من المصادر الرسمية فقط، وتجنب الضغط على الروابط المرسلة عبر الرسائل أو وسائل التواصل، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، إلى جانب مراقبة العمليات البنكية بشكل دوري وعدم مشاركة البيانات مع جهات غير موثوقة.
الذكاء الاصطناعي يضاعف التهديداتويؤكد الخبير في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش أن البطولات العالمية لا تجذب الجماهير فقط، بل تستقطب أيضا شبكات احتيال إلكتروني تستغل الحماس الجماهيري للحصول على بيانات المستخدمين بطرق متطورة.
ويشير إلى أن التاريخ يُظهر ارتفاعا واضحا في محاولات التصيد الإلكتروني خلال كأس العالم والألعاب الأولمبية، ومع اقتراب مونديال 2026 حذرت جهات أمنية دولية من تنامي هذا النشاط، حيث تم رصد أكثر من 13 ألف موقع إلكتروني مرتبط بكلمات كأس العالم خلال الأشهر الأولى من العام، تبين أن نحو 8 % منها خبيثة أو مشبوهة.
كما تم تسجيل آلاف النطاقات المزيفة التي تنتحل هوية جهات رسمية أو خدمات تذاكر وسفر، ما يعكس حجم التهديد الرقمي المصاحب للحدث.
ويؤكد البطش أن هذه الهجمات تزداد كلما اقتربت المباريات الحاسمة، بسبب اعتماد المحتالين على عنصر الاستعجال والخوف من ضياع الفرصة، مشددا على ضرورة الالتزام بالقنوات الرسمية، وتجنب الروابط المجهولة، وتفعيل المصادقة الثنائية، والتحقق من عناوين المواقع قبل إدخال أي بيانات.
ويضيف أن الوعي الرقمي أصبح جزءا أساسيا من تجربة المشجع، تماما مثل امتلاك التذكرة، مشيرا إلى أن جهود التوعية، ومنها ما يصدر عن المركز الوطني للأمن السيبراني في الأردن، تنسجم مع أفضل الممارسات العالمية في حماية المستخدمين.
الفعاليات الكبرى.
بيئة مثالية للهجمات السيبرانيةمن جانبه، يوضح الخبير في التقنية والاتصالات وصفي الصفدي أن الفعاليات العالمية الكبرى تتحول إلى أهداف مفضلة للهجمات السيبرانية بسبب كثافة النشاط الرقمي والاهتمام العالمي المصاحب لها.
ويبين أن تدفق الملايين إلى المنصات الرقمية للبحث عن التذاكر والبث المباشر والأخبار والحجوزات يخلق بيئة مثالية للمهاجمين الإلكترونيين، الذين يستغلون هذه اللحظات لزيادة معدلات التصيد وسرقة البيانات.
ويضيف أن هذه الهجمات تشبه في آلياتها تلك المستخدمة خلال الأزمات والحروب، حيث يتم استغلال عامل الخوف أو الاستعجال أو كثافة الاهتمام لتحقيق انتشار واسع وتأثير أكبر.
ويؤكد الصفدي أن المهاجمين يعتمدون على إنشاء مواقع وروابط مزيفة تحمل شعارات جهات رسمية، بهدف استدراج المستخدمين للحصول على بياناتهم المالية أو الشخصية.
ويشدد على أن الحل يكمن في تعزيز الوعي الرقمي، والتحقق من مصادر المعلومات، والاعتماد على المنصات الرسمية فقط، كونها إجراءات وقائية أساسية خلال الفعاليات الكبرى، تماما كما هو الحال في فترات الأزمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك