إيلاف - ملامح الصفقة "السرية" بين وشنطن وطهران؟ فرانس 24 - مونديال 2026: قطر تودّع من الدور الأول وسويسرا تفوز على كندا وتتأهلان سويا روسيا اليوم - بوليانسكي: أوروبا وصلت إلى نقطة خطيرة في مواجهتها لروسيا Independent عربية - المرشد الجديد ومعركة إدارة التوازنات فرانس 24 - كأس العالم 2026: سويسرا تحسم صدارة المجموعة الثانية بفوزها على كندا ويعبران سويا إلى الدور القادم روسيا اليوم - مقتل صحفي يمني بانفجار عبوة ناسفة زرعها مجهولون في سيارته بمدينة المكلا إيلاف - تغييرات في بغداد: إعادة هيكلة الدولة أم إعادة توزيع النفوذ؟ Independent عربية - محادثات خليجية - إيرانية محتملة لاستعادة استقرار العلاقات روسيا اليوم - قطر تودع نهائيات كأس العالم بالخسارة أمام البوسنة بثلاثية قناة الجزيرة مباشر - جماهير اسكتلندا تحضر بزيها التقليدي إلى مدرجات كأس العالم
عامة

شذرات عن تسويق الكُتب…

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

قبل أيام قليلة دخلت بيت عزاء، رأيت رجلاً كهلاً من أبناء جيلي، بدّل المرض ملامحه. كنت قد سمعت أنه تعرض لجلطة دماغية منذ أشهر وتعافى منها، ولكن أثرها ما زال واضحاً على حركته.صافحته بحرارة، وسألته عن ح...

قبل أيام قليلة دخلت بيت عزاء، رأيت رجلاً كهلاً من أبناء جيلي، بدّل المرض ملامحه.

كنت قد سمعت أنه تعرض لجلطة دماغية منذ أشهر وتعافى منها، ولكن أثرها ما زال واضحاً على حركته.

صافحته بحرارة، وسألته عن حاله، وما لبثنا أن افترقنا كلٌ في سبيله.

في تلك اللحظات وأنا أخطو إلى سيارتي، تذكرت له موقفاً نبيلاً، فقد وقف إلى جانبي في بداياتي الأدبية.

لا، إنه ليس ناقداً ولا حتى قارئاً التقاني في الطريق ليقول إنه قرأ قصتي أو مقالتي!إنه واحد من زملاء الدراسة في الابتدائية، كان يجد صعوبة في كتابة جُملة مفيدة واحدة، وكان يتعرض لعنف بعض المدرسين.

ترك مقاعد الدراسة مبكراً جداً، ولكنه نجح في عمله، بدأ عاملاً في تسويق مشروبات خفيفة، ثم اشترى خطاً للتوزيع وحقق نجاحاً اقتصادياً لافتاً.

أذكره في الخير، عندما أصدرت مجموعتي القصصية الأولى عام 1991 لم تتجاوز دائرة توزيعها حدود القرية إلا ما ندر.

اتفقت يومها مع بعض طلاب من العائلة أن يذهبوا كل واحد في حارة، وأن يبيعوا الكتاب بيتًا بيتًا مقابل نسبة مئوية من المبيعات مكافأة لهم.

فوجئت بغلّة وفيرة، فقد باعوا مئات النسخ من الكتاب، وهذا رقم كبير لم أتوقعه في قرية لم يكن عدد سكانها سوى بضعة آلاف.

أذكر أنه عندما عَرف أن الكتاب من تأليف زميله على مقاعد الابتدائية، اشترى ثلاث نسخ بدلاً من واحدة، وحمّل الأولاد سلاماً حاراً لي.

من المؤكد أنه لم يقرأ شيئاً من كتابي الأول ولا ما تلاه من كتب، وأشك حتى اليوم أنه قرأ لي شيئاً إطلاقاً، لكن الأثر الذي تركه عندي، ما زال سارياً وأحترمه.

هذا لا يعني أن بقية النسخ بيعت لقراءتها، بل من المؤكد أن أكثرها تم شراؤُه لنفس الهدف، وهو «دعم ابن البلد».

دعم ابن البلد، من التقاليد القروية العريقة، وقد يصل هذا إلى درجة التعصب أحياناً، الدعم يشمل جميع المجالات، الرياضة، والفنون، والتبرعات في حالات خاصة، بالمال أو الدم أو حتى النخاع الشوكي، والمساعدة خلال سفر أو غيره، وكذلك في التجارة.

عبارة «أولاد البلد» ليست تعبيراً عابراً في القرى، إنها عقد اجتماعي غير مكتوب، يقوم على المساندة والانتماء والشعور بأن نجاح الواحد هو شيء من نجاح الجماعة كلها.

كان ابن البلد أولى بالشراء والتشجيع، حتى لو كانت بضاعته أغلى قليلًا.

كان الناس يرون أن المال الذي تدفعه لتاجر في البلد يبقى داخل المجتمع ويعود إليه بصورة أو بأخرى.

اليوم تغير العالم.

صار المستهلك يقارن الأسعار والجودة والخدمات، وأصبح من الطبيعي أن يشتري من شركة تبعد آلاف الكيلومترات إذا وجد عندها ما هو أفضل وأرخص عند عائلة (تشانج) أو(لي).

وربما كان هذا التغير منطقيًا ومفهومًا.

لكن شيئًا من ذلك التضامن الاجتماعي القديم تراجع في الطريق.

إضافة إلى الشراء للدعم، فهنالك الشراء كَرماً وتفضّلا.

أذكر قبل أكثر من أربعة عقود، وكنت أيامها شيوعياً متحمساً وطوباوياً مؤمناً بـ «حتمية التاريخ» وتحوّل العالم كله إلى نظام أكثر عدلاً، ولم يكن أمامنا سوى أن نشدّ الهمّة قليلاً.

كنا نتوجه إلى قرية (طوبا الزّنغرية) التي تقع في منطقة قريبة من سهل الحولة، وعلى بعد خطوات من مجرى نهر الأردن إلى الشرق من صفد، كي نبيع فيها مجلة (الجديد) الثقافية، وكانت (الجديد) في حينه من اهتمامات المثقفين، وليست مجلة تسلية أو ذات مواد خفيفة وشعبية، كانت تحوي مقالات نقدية وقصصاً وشعراً ومختارات من الأدب العربي والعالمي.

كان الكثير من بيوت (طوبا الزنغرية) من الزنك في تلك الأيام، بل وحتى من الشّعر، لكن الطريف أننا كنا نقصد هذه القرية التي لم يصل عدد سكانها في حينه إلى ألفَي نسمة وذلك لمعرفتنا بكرم أهلها، ننادي صاحب البيت فيستقبلنا بالترحيب والبشاشة ويدعونا لنستريح، وبعد فنجان القهوة السادة، نعرض عليه بضاعتنا.

كان كثيرون منهم يقولون بكرم ضيافة أصيل: «حُط ثنتين».

نجوب بيوت القرية بيتاً بيتاً، ومن النادر أن ندخل بيتاً ولا يقتني المجلة، فكنا نتفوّق بهذا على من الموزّعين في بلدات أكبر بكثير وفيها مدارس ثانوية ومعروفة بعدد المتعلمين الكبير فيها.

هذه من فضائل الكرم مع الكُتّاب والكِتاب والمجلات الثقافية، فبعض الناس قد يشترون كتابًا حياءً أو كرماً وتفضلاً أكثر من اقتناعهم بالكتاب نفسه.

بعض الكتاب الميسورين يقيم حفل إشهار ويوزع إنتاجه الأدبي على الحاضرين مجاناً، وبهذا يخفّض من قيمة كتابه من غير أن يشعر أو يقصد ذلك.

قد يجد قارئ نفسه أمام بائع في معرض كتب يشكو من قلة المقبلين وأن مبيعاته لا تغطي مصاريف النقل وأجرة المُساعد، فيتعاطف ويشتري كتابين أو ثلاثة، هي في الحقيقة جبر خاطر أكثر منها رغبة في الشراء.

في أحيان كثيرة لا يبيع الكتاب نفسه، بل تبيعه المحبة والصداقة والقربى وحق الجار وجبر الخاطر وكرم الأخلاق والعادة والتقليد.

كذلك، هنالك كتب يبيعها موقف صاحبها السياسي، فيلتف حوله رفاقه المتحزّبون، ويسوّقون كتابه ويعظّمون قيمته بالكتابة عنه.

وهنالك كتب تبيعها الدعاية الممولة والمكثفة في مواقع التواصل.

كذلك فإن بعضهم يطمح بالحصول على دعم كاتب ما في جولة انتخابات محلية، فيحتفي به وبكتابه ويوصي به «لأهميته» حتى قبل أن يقرأه، هذا إذا قرأه.

إنها أشكال من التضامن الإنساني، المتداخلة مع تقاليد الضيافة وابن البلد والسياسة، التي تجعل كاتباً يبيع مئات النسخ من كتابه الأول، ويجعل من مجلة ثقافية مختصة تجد قراءها في قرية نائية قبل أن تجدهم في صالونات المثقفين.

عندما أذكر بالخير أسماء من كتبوا مراجعات أو مقالات عن إنتاجي الأدبي، لا أنسى الرجل الذي اقتنى ثلاث نسخ، ولا أولئك الذين اقتنوا مئات النسخ تشجيعاً، وأذكر المعنى العميق الكامن وراء هذا التصرّف.

لا أعرف أين ذهبت تلك النسخ الثلاث، ولا مئات النسخ التي بيعت في البلدة، ولا إن كانت فُتحت يوماً أم بقي أكثرها على الرفوف، ولا إن كانت موجودة أساساً.

لكنني أذكر المعنى جيّداً، وأدرك أن كثيراً من المبادرات الثقافية لم تكن تعيش بفضل مضامينها وحدها، بل بفضل المحبة والتشجيع والتضامن والشعور بأن نجاح الفرد يستحق أن يتحوّل إلى فرح جماعي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك