لو كانت رزان زيتونة بيننا اليوم لكان بمتناولنا أدق الأرقام عن عدد شهداء الثورة السورية ومجمل ضحايا الصراع السوري قبل سقوط النظام الأسدي، ثم بعد عام ونصف من السقوط، فضلاً عن ضحايا المذابح المفردة هنا وهناك.
لكنا عرفنا بأكبر قدر من الموثوقية عدد المغيبين قسرياً، ولجرى تصنيفهم حسب الجهة التي ارتكبت جريمة تغييبهم، وحسب المناطق التي ينحدرون منها والتي غيبوا فيها، وحسب مدد تغييبهم.
ولكانت تقديرات رزان هي الأصوب بخصوص العدد المجمل للاجئين السوريين خارج البلد والنازحين داخله، ومن ابتلعتهم مياه المتوسط، لأنها تقديرات مبنية على متابعة مباشرة وتوثيق دقيق.
لو كانت رزان بيننا لتوفرت تقارير موثوقة عن هذه الشؤون وكثير غيرها، ولوجدناها منشورة في موقع مركز توثيق الانتهاكات، ولوجدنا الموقع نفسه مرجعاً لمعلوماتنا، خلافاً لما هو واقع الحال اليوم.
ولكان الموقع يضم أوسع وأوثق أرشيف عن أوجه متنوعة من الصراع السوري خلال أزيد من خمسة عشر عاماً.
لو كانت رزان بيننا لكانت قد نشرت فوق 100 مقال لا شبيه لها في الحس الإنساني ورهافة الشعور، وفوق 100 تقرير مفصل عن 100 وجه من أوجه قصتنا الرهيبة.
ولكانت رزان هجّرت في نيسان/ ابريل 2018 مع من هجّروا من دوما والغوطة الشرقية، بينما تكون قد أنجزت لتوها تقريراً مفصلاً عن أحدث مجزرة كيميائية في حينه، ارتكبت في ذكرى تأسيس حزب البعث يوم 7 نيسان.
وهذا مثلما فعلت إثر المجزرة الكيميائية في آب/ أغسطس 2013، حين أنجزت أوفى تقريرين عنها خلال أسبوع واحد.
وكانت ستؤمن بسرعة في الشمال السوري خدمة الانترنت وتجهز مكتباً لمركز توثيق الانتهاكات، وتستأنف العمل بلا كلل، مثلما فعلت فور وصولها إلى دوما في الأسبوع الأخير من نيسان 2013.
ولو كانت رزان هنا لما دُعيت بعد سقوط النظام لا إلى «الحوار الوطني»، ولا خوطبت في شأن عضويتها المحتملة في هيئة المفقودين أو هيئة العدالة الانتقالية.
ولكن لو كانت رزان بيننا لكانت قد فازت بجائزة نوبل للسلام على عملها الحقوقي وعلى إيمانها بأولوية الحقيقة.
وعندئذ فقط كان سيحتفى بها رسمياً، على مضض.
ولو كان وائل حمادة بيننا اليوم لكان كما هو دوماً سند رزان الدائم، الرجل الذي لا يظهر كثيراً لكنه ما يجعل الحياة ممكنة.
وهو الآخر ما كان ليُدعى إلى أي هيئة حكومية أو شبه حكومية أنشئت في سوريا ما بعد الأسدية.
ولو كان ناظم حمادي بيننا اليوم لكان قد نشر أربعة أو خمسة كتب شعرية.
ولربما كان محتاًراً في شأن فتح مكتب محاماة، أو التفرغ للشعر والعشق.
هذا إن لم يكن قد أحب وربما تزوج في وقت ما في دوما نفسها، أو بعد التهجير في الشمال، أو في موطن من مواطن اللجوء.
ولو كانت سميرة الخليل بيننا اليوم لكانت نشرت كتاباً أو أكثر عن يوميات الثورة السورية، ولتوسعت في التقابل الذي أقامته في «يوميات الحصار في دوما 2013» بين تجربتها القديمة في السجن وتجربة الحصار الأحدث، وأوردت قصصاً وتفاصيل وسيراً لإظهار اتصال التجربتين وانفصالهما.
ولفضّلت أن نبقى في تركيا لو استطعنا ترتيب انضمامها إليّ لأنها تخشى البعد.
ولجعلت من العيش في أي مكان مؤقت خارج البلد بيتاً لنا ولأصدقائنا، مثلما كانت فعلت في دمشق، مغالبة ميل شريكها إلى أن يعيش كأنه طالب جامعي مؤبد.
ولكان التعرف عليها مصدر بهجة لكثيرين لمن لم يكونوا يعرفونها من قبل، ولروى لها أصدقاء وصديقات شبان بعض ما في قلوبهم من قصص وغصات.
ولسافرنا معاً حتماً إلى بلدان أوروبية تفرقت فيها عائلتنا الكبيرة.
ولو كانت سميرة بيننا لكان لنا بيت في سوريا اليوم، تجهزه من جديد مثلما تحب.
ولكنا في الأثناء قضينا أوقاتاً في حمص والرقة وحلب واللاذقية مثلما كنا نفعل من قبل، ولربما زرنا ما لم نزر قبلاً من مدن سورية، نلتقي بأحبابنا وأصدقائنا، نستمع ونستطلع ونتابع ما يجري.
لم يكن الجناة مضطرين لتغييب سميرة ورزان ووائل وناظم، ولم يجنوا من جريمتهم مكسباً.
بالعكس، صاروا أسرى هذه الجريمة أخلاقياً، وينبغي أن يصيروا أسراها قانونياًلكانت حياة أخرى ممكنة للأربعة ولأحبابهم وشركاهم في الحياة والقضية.
ولكانت هناك مفاجآت كثيرة وأحداث غير متوقعة مثلما هو دأب كل ما يجري في حياتنا وفي كل حياة.
رزان ووائل وناظم وسميرة ليسوا بيننا.
هم مغيبون منذ اثني عشر عاماً ونصف عام ونصف شهر، 4581 يوماً.
مًغيِبوهم معروفون بالأسماء، ويؤخذ كبارهم اليوم بالأحضان في سوريا الرسمية ما بعد الأسدية.
هل عاش هؤلاء وأدواتهم حياة مفعمة بالمعنى، حياة عمل وواجب، حب وصداقة، بهجة وانشغال بال، مثلما عاشت رزان ووائل وناظم وسميرة؟ هل يحبون؟ هل لهم أصدقاء مختلفون عنهم يثقون بهم ويفتحون لهم قلوبهم؟ هل يستطيعون سرد ما فعلوا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية دون حجب أشياء كثيرة غير مشرفة؟ هل يمكن لأي منهم أن يعيش مع نفسه باحترام وكرامة وهم يعرف أنه فاسد، كاذب، وقاتل؟ هل يستطيعون عيش حياة عادية؟ هل يمكن لأي منهم أن يكتب يوميات ومذكرات عن السنوات الخمس عشرة الماضية، تروي لعموم السوريين، ما فعل وما شهد؟ هل لحياتهم أدنى علاقة بالحقيقة؟ بالصدق والاستقامة؟ بالأمانة؟ بالعدالة؟ بالحرية؟ بالكرامة؟ هل يخطر ببالهم أن يسألوا أنفسهم عن ذلك؟ أم هم مصفحون دون تلك القيم تصفيحاً سميكاً؟لم يكن الجناة مضطرين لتغييب سميرة ورزان ووائل وناظم، ولم يجنوا من جريمتهم مكسباً.
بالعكس، صاروا أسرى هذه الجريمة أخلاقياً، وينبغي أن يصيروا أسراها قانونياً.
فإذا كان الشر هو ما لا يجب أن يحدث وما كان حدوثه غير اضطراري، فإننا حيال شر وأشرار، يجعلون العالم الذي يعيشون فيه أسوأ، وسخاً، فاسداً، ملعوناً.
ليس حق الضحايا وحده ما يوجب محاسبة الجناة، بل فرص حياة طيبة، أو أقل إيذاء فحسب، للسوريين بعامة، ولأهالي دوما بينهم.
هذا واجب، ولأنه واجب فإنه ممكن.
يمكن تخيل تاريخ مختلف لصراعنا، لا يقع فيه أسوأ ما وقع.
التاريخ ليس حتمياً، وليس مكفولاً.
إنه نتاج أفعال فاعلين وخيارات مختارين، وإن في شروط لم يختاروها دوماً.
أما وقد وقع كثير من السوء، فإن هذا يقول شيئاً غير طيب عنا، كمجتمع وأفراد وثقافة ودين، وبالطبع كدولة، وبنسبة سلطة كل منا ونطاق مسؤوليته.
لو كان سمير كعكة موقوفأ مثل أمجد يوسف، ولو جرى نشر ما يكشفه التحقيق معه من معلومات، لربما عرفنا الكثير عن جانب من تاريخ الاغتيالات وفتاوى القتل في دوما والغوطة الشرقية، والنزاع على السلطة والولاء في „جيش الإسلام“ ذاته بين المؤسس والشرعي.
لو كان عمر الديراني موقوفاً وجرى معه تحقيق وافٍ لعرفنا خريطة موثوقة لسجون „جيش الإسلام“، وأسماء من اعتقلوا وقتلوا وغيبوا، وربما لاهتدينا إلى مواقع المقابر التي طمروا فيها ضحاياهم.
ولو اعتقل حسين الشاذلي وحقق معه لتوفرت للدوامنة وعموم السوريين معلومات لازمة عن سلسلة القيادة التي أشرفت على خطف سميرة ورزان ووائل وناظم، وكان „ضابط أمن الغوطة الشرقية“ مفصلاً تنفيذياً فيها.
هذا كله ممكن اليوم لأنه واجب.
وغير توقيف المشتبه بهم الوحيدون في الجريمة، كان يقضي الواجب بتكريم المرأتين والرجلين بوصفهم من أبرز أبطال الثورة السورية، ومن أكرم شهودها.
في سوريا حرة، سيحدث هذا من كل بد يوماً ما.
لكن فقط في سوريا حرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك